الخلفية التاريخية: الصراع الفكري بين النقل والعقل الذي تمخضت عنه هيمنة الإسلام الأشعري الماتريدي لقرون
بحسب أستاذ اللاهوت الإسلامي بنيامين أبراهاموف، “تمحور الصراع اللاهوتي (العقدي) الرئيسي في الإسلام […] بين علماء الكلام التقليديين ونظرائهم العقلانيين.”(1)
بحسب أبراهاموف، يمثل “أهل الحديث” أعلى درجات الإلتزام بالتقليد، حيث تجنبوا عموماً الخوض في التأملات الكلامية (الجدل العقلي) تماماً أو قصروا ذلك على الحد الأدنى، ويُعد الحنابلة أبرز ممثلي هذا النهج (المتشدد في التزامه بالنقل)، غير أن هذا التوجه لا يقتصر عليهم فحسب، بل يُمكن العثور عليه أيضاً لدى علماء المذاهب الشافعية والمالكية والحنفية. وفي المقابل، أتاح تقليديون آخرون قدراً معيناً من استخدام العقل مع الإبقاء على أولوية النصوص المقدسة والإجماع؛ وهؤلاء يُطلق عليهم أحياناً اسم “متكلمة أهل الحديث.”(2)
أما العقلانيون (الذين يمثلهم “المتكلمون”)، وفق أبراهاموف، فيميلون إلى اعتبار العقل وسيلة رئيسية للوصول إلى الحقيقة الدينية، وقد يمنحونه الأولوية على الوحي والسنة في مسائل محددة. وتُعد المعتزلة المجموعة الأكثر ميلاً للعقلانية بينهم، في حين أن الأشاعرة والماتيريدية يتبنون نهجاً أقل عقلانية.(3)
تجدر الإشارة هنا، بحسب أبراهاموف، إلى أن العقلانية في الفكر الإسلامي محصورة في نطاق العقائد؛ إذ يُنظر إلى الاعتماد الحصري على العقل بوصفه أداةً مستقلة لإدراك الحقائق على أنه كفر وضلال.(4)
وفقاً لريتشارد سي. مارتن، الباحث في الدراسات الإسلامية وتاريخ الأديان، وآخرون، في العقد الثالث من القرن التاسع الميلادي، تصاعدت حدة الصراع بشكل كبير بين المعتزلة وأصحاب التيار التقليدي (أهل الحديث)، وذلك حين أمر الخليفة المأمون (الذي حكم في الفترة ٨١٣-٨٣٣م) —متأثراً بعلم الكلام— كبار القضاة في الدولة العباسية بإعلان تأييدهم العلني للعقيدة المعتزلية، وهو مطلب قاومته شخصيات بارزة، أشهرها أحمد بن حنبل (توفي عام ٨٥٥م). لقد أدت فترات سجن ابن حنبل المتكررة إلى اندلاع مظاهرات شعبية واسعة النطاق، مما عكس عمق واتساع نطاق الدعم المجتمعي للرؤية التقليدية. وفي نهاية المطاف، ومع حلول منتصف القرن، أنهى الخليفة المتوكل محنة خلق القرآن وأطلق سراح ابن حنبل.(5)
وفقاً لمارتن وآخرون، مع افتقارها إلى الدعم السياسي، فقدت المعتزلة نفوذها بسرعة في أوساط علماء السنة، مفسحةً المجال للمدرستين الأشعرية والماتريدية، ولا سيما عقب صعود الدولة السلجوقية في منتصف القرن الحادي عشر. ورغم أن القاضي عبد الجبار (توفي سنة ١٠٢٤م) يُعد آخر كبار أئمة هذه المدرسة في العصور الوسطى، وأن آثار تأثيرها برزت لاحقاً لدى شخصيات مثل المفسر الزمخشري (توفي سنة ١١٤٤م)، إلا أن النصوص المعتزلية المبكرة أصبحت تُحفظ وتُناقش بشكل متزايد من قِبَل الشيعة الزيدية والإمامية بدلاً من السنة. وفي الأوساط السنية التي تلت القرن الحادي عشر —والتي تبنت المذهب الأشعري في الغالب— قوبلت العقائد المعتزلية بسخرية علنية لاذعة وإدانة من على منابر صلاة الجمعة. كما كان المتكلمون التقليديون “متكلمة أهل الحديث” من أشد المنتقدين العلنيين للعقلانيين، ولا سيما المعتزلة.(6)
(1) .Abrahamov, Binyamin. Islamic Theology: Traditionalism and Rationalism. Edinburgh UP, 1998, pp. viii
(2) ibid., viii-ix
(3) ibid., viii-x
(4) ibid., x
(5) Martin, Richard C., and Mark R. Woodward, with Dwi S. Atmaja. Defenders of Reason in Islam: Mu’tazilism from Medieval School to Modern Symbol. Oneworld Publications, 1997, p. 18.
(6) .ibid
الإسلام الأشعري الماتيريدي الذي ساد لقرون (إسلام أهل السنة والجماعة)
بحسب أستاذة الدراسات الدينية ناميرا ناهوزا:
“يشهد مفهوم "السنّة" اليوم جدلاً واسعاً […] في ظل جهود إعادة كتابة التاريخ التي يقوم بها السلفيون. وحتى الآن، تُقرّ الأدبيات الأكاديمية —وكذلك المؤسسات الإسلامية السائدة— بأن الإطار العقدي للغالبية العظمى من مسلمي العالم كان يتمثل في المذهب الأشعري. […] “الأشعرية” هي التسمية التي أُطلقت على المدرسة العقدية المؤسَّسة أصلاً على تعاليم أبي الحسن الأشعري، والتي تعتمد في إثبات العقائد على الأدلة النقلية المستمدة من القرآن والحديث، فضلاً عن الحجج العقلية.”(1)
توضح ناهوزا أنه وفقاً للمنظور التاريخي السائد لدى أهل السنة، ينظر إلى أبي الحسن الأشعري (توفي ٩٣٥م) وأبي منصور محمد الماتريدي (توفي ٩٤٤م) باعتبارهما عالمين مؤسسين دافعا عن العقيدة الإسلامية القويمة (الأرثوذكسية) في مواجهة البدع الكلامية. ونظراً لكونهما عاصرا الحقبة المبكرة للسلف، فإن أطروحاتهما الكلامية —التي لا تختلف إلا من حيث المصطلحات— تُعد مطابقةً لما كان عليه السلف الصالح من الأجيال الأولى؛ وبذلك أرسى العالمان المدرستين الأشعرية والماتريدية اللتين تشكلان اليوم معالم اللاهوت السني السائد عالمياً.(2)
وتُمثّل هذه الرواية التقليدية موقف “أهل السنة”؛ فهم يرون أنفسهم ورثةً للسلف (دون أن يطلقوا على أنفسهم لقب “السلفية”)، ويعتقدون بعدم وجود اختلاف عقدي جوهري بين كل من الأشعري والماتريدي والسلف. كما يؤكدون على استمرارية نهجهم مع السلف من خلال اتباع المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى (الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية).(3)
في ٢٥ أغسطس ٢٠١٦، انعقد مؤتمر عالمي لعلماء المسلمين في الشيشان تحت عنوان: “من هم أهل السنة والجماعة؟ بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا، وأثر الانحراف عنه على الواقع”. وقد سعى المؤتمر إلى تعريف أهل السنة. حضر المؤتمر أكثر من مائتي مرجعيةٍ دينية إسلامية من مختلف أنحاء العالم، بمن فيهم الإمام الأكبر أحمد الطيب، ومفتي الديار المصرية شوقي علام، ومفتي سورية أحمد حسون، ومفتي الأردن عبد الكريم الخصاونة، ومفتي الديار المصرية السابق الشيخ علي جمعة، ومفتي دمشق الشيخ عبد الفتاح البزم، والأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أحمد عبادي، والداعية اليمني علي الجفري، والشيخ إدريس الفهري، والشيخ سعيد فودة، والشيخ أسامة الأزهري. استثنى البيان الختامي للمؤتمر السلفية من تعريف أهل السنة.(4) جاء في البيان:
“أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، ‘ومنهُم أهل الحديث المفوضة’ في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكيةً على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى.”(5)
في ٩ سبتمبر ٢٠١٦، علق الكاتب السعودي في جريدة “العرب” أحمد عدنان على الجدل الذي أثير بسبب استثناء البيان الختامي لمؤتمر غروزني السلفية قائلاً:
“وما أثار دهشتي حقاً، المشاعر المرهفة التي فاجأنا بها السلفيون نظير استبعادهم من أهل السُنة، وهم لم يتركوا طائفة أو مذهباً في الإسلام إلا وأخرجوه من الدين كله، وحين نعود إلى فتاوى هيئة كبار العلماء السعودية عن أهل السُنة سنجد العجاب، فالفتوى رقم ٢١١١٩ حددت موقفاً نهائياً من الصوفية ‘المتصوفة قد انحرفوا عن الكتاب والسنة، وأحدثوا طرقاً مبتدعة خالفوا فيها منهج العلماء... ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يحارب البدع والشركيات ومن أعظمها التصوف المنحرف’. وعن الأشاعرة قال المفتي السعودي الشيخ عبدالعزيز بن باز في المجلد الثالث من فتاواه ‘الأشاعرة ضلّوا في ما خالفوا فيه الكتاب والسُنة وما عليه خيار هذه الأمة’.”(6)
يقول أستاذ العلوم الشرعية الشيخ سيف بن علي العصري:
“السواد الأعظم هم أهل السنة والجماعة بِفِرَقِهِم الثلاث (أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية)، ومذهب أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه الصحابة والسواد الأعظم من التابعين وأئمة الحديث والفقه، وعلى ذلك المنهج سلك الإمامان (الأشعري والماتريدي)، وتبعهما عليه علماء المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة […] فمن انتقص الأشاعرة ورماهم بالبدعة فقد ضلل جمهور الأمة; واتهم جماهير أئمة الهدى من المفسرين والمحدثين والفقهاء بالانحراف.”(7)
ينتقد عالم الدين محمد علوي المالكي في كتابه “مفاهيم يجب أن تصحح” اتهام الأشاعرة بالضلال، حيث يقول أن الأشاعرة هم:
“أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين، الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها، وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم، هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائها الأفاضل […] إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام.”(8)
ويسمي من علماء الأشاعرة أحمد ابن حجر العسقلاني والنووي، والقرطبي، وابن حجر الهيتمي، وزكريا الأنصاري، وأبي بكر الباقلاني، والقسطلاني، والنسفي، والشربيني ، وأبو حيان النحوي، وابن جزي، والفخر الرازي.(9) ويقول:
“ولو أردنا أن نعدّد هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء من أئمة الأشاعرة .. لضاق بنا الحال ، واحتجنا إلى مجلدات في سرد أولئك العلماء الأفاضل، الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها […] هؤلاء وغيرهم من جهابذة العلماء، وفطاحل النبهاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة .. فمن هم أهل السنة إذاً؟!”(10)
(1) Nahouza, Namira. Wahhabism and the Rise of the New Salafists: Theology, Power and Sunni Islam. I.B. Tauris, 2018, p. 117.
(2) 118 .ibid., p
(3) 118-119 .ibid., pp
(4) “The Grozny Conference.” Chechnya Conference, https://chechnyaconference.org/#testimonials.
(5) Chechnya Conference Delegates. “بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا، وأثر الانحراف عنه على الواقع” [Statement and Description of the Methodology of Ahl al-Sunnah wa al-Jama’ah in Belief, Jurisprudence, and Behavior, and the Impact of Deviation from It on Reality]. Chechnya Conference, 2016, https://chechnyaconference.org/material/chechnya-conference-statement-arabic.pdf.
(6) Adnan, Ahmed [أحمد عدنان]. “Mu’tamar Ghurūznī, Sham’ah Tataḥaddā al-Ẓalām” [مؤتمر غروزني، شمعة تتحدى الظلام]. Al-Arab [العرب], 10 Sept. 2016, https://alarab.co.uk/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%BA%D8%B1%D9%88%D8%B2%D9%86%D9%8A%D8%88-%D8%B4%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%85.
(7) Chechnya Conference Delegates. “الأشاعرة والماتريدية هم السواد الأعظم” [The Ash’aris and Maturidis are the Vast Majority]. Chechnya Conference, 2016, https://chechnyaconference.org/material/checnya-convention-2016-ahl-assunna-majority.pdf.
(8) Al-Maliki, Muhammad ibn Alawi. Mafahīh Yajibu an Tusahaḥ [مفاهيم يجب أن تصحح] [Concepts That Must Be Corrected]. 1st corrected ed., Madar al-Sanabil and Dar al-Hawi, 2019, p. 171.
(9) 172-173 .ibid., pp
(10) 172-173 .ibid., pp
ظهور السلفية الوهابية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
يعرف عالم السياسة جيل كيبل السلفية على أنها “تيار فكري ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كرد فعل على انتشار الأفكار الأوروبية، ودعا إلى العودة إلى تقاليد الأسلاف الورعين.”(1) يعرف مارتن وآخرون السلفية بأنها “حركةٌ بين المسلمين التقليديين تحثُّ على الاقتداء بالسلف —أي الأجيال الأولى من المسلمين— بدلاً من الدعوة إلى تكييف الإسلام مع الظروف التاريخية المتغيرة.”(2) يشير بيتر ماندفيل، أستاذ الشؤون الدولية، إلى أن “الوهابية تمثل، في جوهرها، نسخة سعودية خاصة من التيار السلفي الأوسع.”(3)
يذكر أستاذ التاريخ ديفيد كومينز أن مؤسس الوهابية، محمد بن عبد الوهاب، وأفراداً من عائلته، كانوا من رجال الدين ذوي المعرفة السطحية بالعلوم الإسلامية، غير أنهم نالوا مكانتهم الدينية مستفيدين من انتشار الأمية والجهل في بيئتهم المحيطة. ويشير كومينز إلى أن محمد بن عبد الوهاب قد أساء فهم بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، مما أدى به إلى تبني تفسيرات شاذة عن الفكر الإسلامي المألوف.(4) وعلى سبيل المثال، يوضح كومينز أنه في حين جرى التقليد الإسلامي السائد على اعتبار النطق بالشهادتين كافياً لإثبات إسلام المرء، فإن مؤسس الوهابية، محمد بن عبد الوهاب، رفض هذا الرأي التقليدي؛ جاعلاً المعيار يعتمد حصراً على صحة العبادة باعتبارها تجسيداً للتوحيد.(5)
(1) Kepel, Gilles. Jihad: The Trail of Political Islam. Harvard University Press, 2002, p. 219-220.
(2) Martin, Richard C., and Mark R. Woodward, with Dwi S. Atmaja. Defenders of Reason in Islam: Mu’tazilism from Medieval School to Modern Symbol. Oneworld Publications, 1997, p. 234.
(3) Mandaville, Peter, editor. Wahhabism and the World: Understanding Saudi Arabia’s Global Influence on Islam. Oxford University Press, 2022, p. 10.
(4) .Commins, David. The Wahhabi Mission and Saudi Arabia. I.B. Tauris, 2006, pp. 1–2
(5) .ibid., p vii
تعاليم السلفية الوهابية
استنادا على كتاب “لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب” لمؤلفه حسن بن جمال بن أحمد الريكي، يشير المؤرخ هاملتون غيب وأستاذ الدراسات الاسلامية يوهانس كرامرز، إلى أن تعاليم محمد بن عبد الوهاب تضمنت القضاء على كل ما هو مستحدث بعد القرن الثالث الهجري (البدع)، واستباحة دماء من يعبد غير الله. وشملت الأمور التي اعتبرتها شركاً: تقديس الأولياء وزيارة الأضرحة، وعدم الالتزام بعقيدة التوحيد وفق المنظور الوهابي، وذكر الأنبياء أو الأولياء في الدعاء، وطلب الشفاعة من غير الله، والنذر لغير الله. ومن ضمن ما اعتبرته كفراً: إنكار حتمية القدر، والادعاء بمعرفة لا تستند إلى القرآن والسنة، وتفسير القرآن عن طريق التأويل بدلاً من الالتزام بالنص الحرفي. بالإضافة إلى ذلك، اعتبرت صلاة الجماعة واجباً، وحرمت التبغ، وفرضت الزكاة على الأرباح الخفية، ورأت أن النطق بالشهادتين وحده لا يكفي لإثبات الإيمان.(1)
بحسب المؤرخ رول مير، هناك أربعة عناصر متطرفة في الوهابية:
العنصر الأول هو الدعوة للعودة مباشرة إلى القرآن والحديث، في حين أنها اتبعت فعلياً تقليد وفقه المذهب الحنبلي. حيث أن التركيز الشديد على النقاء العقدي والنزعة الحرفية يؤدي حتماً إلى نشوب خلافات داخلية وانقسامات وتشرذم وعددٍ لا متناهٍ من التفسيرات.(2)
العنصر الثاني هو العلاقة بين الوهابيين والآخرين. اتخذت الوهابية موقفاً معادياً للأجانب ونزعة طائفية تجاه المسلمين من غير الوهابيين؛ إذ يطلب من الوهابيين، استناداً إلى مبدأ “الولاء والبراء”، النأي بأنفسهم عن المسلمين الذين لا يلتزمون بتعاليم الوهابية وعقيدتها.(3)
العنصر الثالث هو “وصم التشيع بالبدعة. فقد أدانت الوهابية التشيع لسببين عقائديين: أولهما تبجيل الشيعة للأئمة واعتبارهم معصومين؛ وثانيهما إنكار الشيعة لشرعية ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة (الذين حكموا في الفترة ما بين ٦٣٢ و٦٦١ ميلادية)، وما يترتب على ذلك من طعن في مكانة صحابة النبي وفي صحة الحديث النبوي، الذي يُعد الركيزة الأساسية للوهابية والسلفية على حد سواء.”(4)
العنصر الرابع هو ممارسة ‘الحسبة’، أو ‘الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’. إذ وظّفت الوهابية هذه الممارسة كوسيلة لفرض تعاليم الوهابية الصارمة على السكان وتقويم ما رأت أنه انحرافات.(5)
(1) Gibb, H. A. R., and J. H. Kramers, editors. Concise Encyclopedia of Islam. Brill Academic Publishers, 2001, p. 618.
(2) Meijer, Roel, editor. Global Salafism: Islam’s New Religious Movement. Oxford University Press, 2009, pp. 9-12.
(3) 10 .ibid., p
(4) 11 .ibid., p
(5) 12 .ibid., p
انتقادات وجهها علماء دين مسلمون للسلفية الوهابية
يُعد كتاب “ردع الضلالة وقمع الجهالة” للشيخ عبد الوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأزهري الطندتاوي، المُؤلَّف عام ١٧٤٣ (١١٥٦ هـ)، من أوائل ما كُتب في نقد الوهابية، والذي نعت فيه مؤلفه محمد بن عبد الوهاب بـ “الضال المضل”.(1) وقد جاء في مقدمة الكتاب:
“بلغنا أنّ شخصاً من الناس يقول إنّ الناس ليسوا على شيء من جهاتٍ ويدعي تكفيرهم بما هم عليه، وخصوصاً من ينسب إلى الصلاح واشتهر ذكره بين الناس بالولاية، كسيدي عبد القادر الجيلاني وأمثاله، ويقول إنهم طواغيت فيجزم بكفرهم وكفر من اتبعهم بالأولى. وسمعنا عنه أنه ينهى الناس عن التوسّل إلى الله بالرسول أو بالصحابة أو بأهل البيت. وسمعنا أنه ينكر إنكاراً شديداً على من يزور الصحابة المقبورين [...] وسمعنا عنه أنّه يقول لا حاجة إلى تقليد العلماء السابقين، كالأربعة الأئمة المجتهدين وأتباعهم، وإنما على كل شخص أن يأخذ بكتاب الله وسنّة رسوله لا بأقوال العلماء. وسمعنا عنه أشياء أخر غير ذلك يمجها السمع وينكرها الشرع.”(2)
في كتابه “دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب” الصادر عام ١٩٩٢، جمع الداعية السعودي الوهابي عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف طيفاً واسعاً من الانتقادات التي وُجّهت للوهابية من قِبل رجال دين مسلمين ليرد عليها.(3) ومن الانتقادات التي أوردها الكتاب في هذا السياق:
١. اتهم الإمام محمد بن على الشوكاني الوهابيين بأنهم “يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد، وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام.”(4)
٢. اتهم الشيخ محمد بن ناصر الحازمي محمد بن عبد الوهاب بـ “تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها”، و”التجاري في سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا برهان.”(5)
٣. اتهم الشيخ محمد صديق حسن خان الوهابيين بالتساهل في سفك الدماء وأعلن براءة أهل الحديث منهم.(6)
٤. اتهم الشيخ أنور شاه الكشميري محمد بن عبد الوهاب بالتسارع في التكفير.(7)
٥. وصف الشيخ محمد ابن عفالق الحنبلي محمد بن عبد الوهاب بأنه هدم “قواعد الملة المحمدية” وبأنه “كفر الأمة، بل والله وكذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك،” واتهم الوهابيين بجعل “تكفير العترة النبوية، وسبهم، ولعنهم، أصلا من أصول دينكم.”(8)
٦. ذكر الشيخ أحمد بن علي القباني البصري الشافعي أن محمد بن عبد الوهاب “كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها.”(9)
٧. وصف قاضي الرياض الشيخ سليمان بن محمد بن سحيم محمد بن عبد الوهاب بأن “من لم يوافقه في كل ما قاله، ويشهد أن ذلك حق، يقطع بكفره، ومن وافقه، ونحى نحوه، وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد.”(10)
٨. في رسالة أرسلها الشيخ محمد بن محمد القادري الى الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، قال فيها: “فإنك لو تدبرت فيه بعين بصيرتك واعتبرت بها، لما كنت تحكم على الأمة المحمدية بالشرك الأكبر، من غير برهان، وليس هذا إلا شقاوة وخسران وحرمان.”(11)
٩. قال الشيخ علوي بن أحمد بن حسن الحداد عن محمد بن عبدالوهاب: “إذا أراد رجل أن يدخل في دينه، يقول له اشهد على نفسك أنك كنت كافرا، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا، فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله.”(12)
١٠. اتهم الشيخ حسن بن عمر الشطي محمد بن عبد الوهاب ب”تكفير المسلمين واعتقاده حل دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم”.(13)
١١. اتهم الشيخ عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الله النيسابوري محمد بن عبدالوهاب بـ “قتل آلاف من المسلمين القائلة لا إله إلا الله محمد رسول الله المتصدقين الصائمين الحاجين بيت الله الحرام، بل قتل الذرية والنسوان من غير بغي منهم، ولا عدوان زعما منه أنه من أهل التوحيد فقط، والمسلمون كلهم مرتدون.”(14)
١٢. اتهم الشيخ علي ابن ابراهيم بن محمد نقي الكنهوري محمد بن عبد الوهاب بأن “عقيدته هي أن جميع المسلمين سوى أهل نحلته كفار مشركون، يحل أموالهم ودمائهم، ويجوز اتخاذهم عبيدا، ويستدل على ذلك بتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان”.(15)
١٣. قال قاضي سدير الشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور عن الوهابيين التالي: “قد ابتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب، بمن خرج عليهم، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة، إلا من وافقه على قوله.” وأضاف أن محمد بن عبد الوهاب “جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة”.(16)
١٤. أشار الشيخ أحمد بن زيني دحلان الى أن الوهابيين حكموا على كل البشر بالشرك وحرضوا على قتلهم لنيل الجنة، واعتبروا أن الموحد هو فقط من يتبعهم، واعتبروا أن الحج الذي حدث قبل اتباع المسلم لهم باطل، وأتهم محمد بن عبد الوهاب بجعل الإلتزام بتعاليم الوهابية الركن السادس للإسلام.(17)
١٥. نعت الشاعر جميل صدقي الزهاوي الوهابية بـ”الفرقة المارقة”، وقال عن محمد ابن عبد الوهاب أنه “زعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة”، وقال أن تعريف الوهابية وغايتها هو “تكفير كافة المسلمين”.(18)
١٦. اتهم الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء محمد بن عبد الوهاب بأنه “يكفر المسلمين، ويضرب بعضهم ببعض، وما انجلت تلك الفترة، إلا وهم بأيدي الأعداء ينقضون دعائم الدين.”(19)
١٧. قال مؤسس الحركة البريلوية الشيخ أحمد رضا خان أن محمد بن عبد الوهاب “يكفر سائر المسلمين، ومن بينهم الأئمة والمشائخ ... إن ابن عبد الوهاب قد أعلن عقب ظهور دينه الجديد أن الأمة الإسلامية منذ ستمائة سنة تتخبط في ظلام الشرك، وقد ردد الوهابيون قول زعيمهم فيما بعد.”(20)
١٨. قال القاضي محمد توفيق نجيب السوقية عن الوهابيين “إن مذهبهم تكفير الأموات، ورمي الأحياء بالشرك.”(21)
١٩. يرى الشيخ محمد جواد مغنية أن الوهابيين “يريدون بالموحدين الوهابية أنفسهم، وبالمشركين جميع المسلمين بدون استثناء.”(22)
٢٠. عبّر الشيخ حسين حلمي ايشيق عن رأيه بالوهابيين بالقول: “ولا يحسبون غير أنفسهم مسلمين، ويكفرون ما عداهم، ويقولون أن أموالهم وأنفسهم مباحة للوهابيين.”(23)
٢١. قال الشيخ مالك بن الشيخ داود أن “بعض العلماء يسمون الدعوة الوهابية بـ’الدعوة الدموية’.” وأضاف أن الوهابيين “مصممون على أن من لم يكن وهابيا فهو مشرك، يجب هجرانه ولا يجوز التعامل معه فيما يخص الدين، أو الدنيا.”(24)
(1) Traboulsi, Samer. “An Early Refutation of Muḥammad ibn ʿAbd al-Wahhāb’s Reformist Views.” Die Welt des Islams, vol. 42, no. 3, 2002, pp. 373–415.
(2) .ibid
(3) Al ʿAbd al-Laṭīf, ʿAbd al-ʿAzīz ibn Muḥammad ibn ʿAlī. Daʿāwī al-munāwiʿīn li-daʿwat al-Shaykh Muḥammad ibn ʿAbd al-Wahhāb [دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب]. Dār al-Waṭan, 1992, https://shamela.ws/book/11186.
(4) ibid., p. 159.
(5) ibid.
(6) ibid., p. 160.
(7) ibid.
(8) ibid., p. 163.
(9) ibid., p. 164.
(10) ibid.
(11) ibid.
(12) ibid., p. 165.
(13) ibid.
(14) ibid., p. 166.
(15) ibid.
(16) ibid.
(17) ibid., p. 167.
(18) ibid.
(19) ibid., p. 168.
(20) ibid.
(21) ibid.
(22) ibid.
(23) ibid., p. 168-169.
(24) ibid., p. 169.
تحالف السلفيين الوهابيين مع آل سعود
وفقاً لكومينز، ظلت الوهابية ظاهرةً هامشيةً ولم تتمكن من الحفاظ على وجودها في نجد إلا بسبب التحالف الذي جرى بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.(1) ففي عام ١٧٤٤، التقى أمير الدرعية محمد بن سعود بمحمد بن عبد الوهاب، ووافق على دعم دعوته مقابل مساندة ابن عبد الوهاب له في حملاته التوسعية.(2)
يذكر المؤرخ عثمان بن بشر جانباً من تفاصيل اللقاء، حيث قال محمد بن عبد الوهاب للأمير:
“أنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل، والفرقة، والاختلاف والقتال لبعضهم بعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك. […] فلما شرح الله صدر محمد بن سعود لذلك، وتقرر عنده، طلب من الشيخ المبايعة على ذلك، فبايع الشيخ على ذلك، وأن الدم بالدم والهدم بالهدم.”(3)
يرى المؤرخ رول مير أن هذا الميثاق أُسّس على تبادل المنفعة بين الجانبين؛ إذ سَخّر “آل سعود” الحماس الديني لتحقيق أهدافهم السياسية والتوسعية، بينما استفاد “آل الشيخ” من هذه الشراكة لفرض عقيدتهم على المجتمع والسيطرة التامة على المؤسسة الدينية في الدولة الناشئة.(4)
(1) .Commins, David. The Wahhabi Mission and Saudi Arabia. I.B. Tauris, 2006, p. 69
(2) .ibid., p. 19
(3) Ibn Bishr, Othman ibn Bishr. Unwān al-Majd fī Tārīkh Najd [عنوان المجد في تاريخ نجد]. Maktabat al-Irshād, 1983, p. 42, https://waqfeya.net/books/عنوان-المجد-فى-تاريخ-نجد/4f4d8a186fc6458ab9ba8dc30c95ec58.
(4) Meijer, Roel, editor. Global Salafism: Islam’s New Religious Movement. Oxford University Press, 2009, p. 8.
السلفية الوهابية كسلاح في ترسانة الثورة المضادة
وفق المؤرخ أليكسي فاسيليف، في منتصف ستينيات القرن العشرين، احتدم صراع ضارٍ للسيطرة على الشرق الأوسط بين مصر وحلفائها ذوي التوجهات الاشتراكية من جهة، وتحالف محافظ تقوده المملكة العربية السعودية من جهة أخرى. وقد وظّفت مصر الشعبية الهائلة التي كان يتمتع بها جمال عبد الناصر للدفع بأجندة اشتراكية مناهضة للغرب في أرجاء المنطقة، مما أدى إلى جذب جزء كبير من جامعة الدول العربية إلى فلكها. ونظراً لسوء سمعة التحالفات العسكرية مع الغرب وافتقار الأنظمة الملكية التقليدية إلى القبول الشعبي في معظم الدول العربية، وظفت القيادة السعودية الإسلام ليكون ثقلاً أيديولوجياً مضاداً ومباشراً للقومية العربية والأجندة الاشتراكية التي نادى بها عبد الناصر.(1)
لمواجهة النفوذ المتنامي للقوميين العرب الاشتراكيين في المنطقة، سعت واشنطن إلى بناء ثقلٍ مضاد محافظٍ وموالٍ للغرب داخل العالم العربي. وفي هذا السياق —وفقاً لمذكرة رفعت عنها السريّة— في ٢٠ نوفمبر ١٩٥٦، أكده الرئيس الأمريكي أيزنهاور خلال نقاشٍ في البيت الأبيض بتأكيده على ضرورة “العمل على تعزيز مكانة الملك سعود ليصبح شخصيةً بارزةً في منطقة الشرق الأوسط”، حمايةً للمصالح الاقتصادية الغربية وكبحاً للحراك المناهض للإمبريالية.(2) وحسب عالمة السياسة راتشيل برونسون، صرّح وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في ١٠ ديسمبر ١٩٥٦ بأن الملك السعودي سعود هو “أفضل قوة مضادة لناصر”.(3) في ٢٠ ديسمبر ١٩٥٦، أبلغ دالاس الرئيس أيزنهاور بأن الملك “سعود هو الشخصية الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بالحضور والإمكانات الكافية لتشكيل ثقلٍ موازنٍ لجمال عبد الناصر”؛(4) وفقاً لمذكرة رُفعت عنها السريّة، في الأول من يوليو ١٩٥٨، أشار أيزنهاور إلى أن واشنطن وطهران كانتا قد شجّعتا الملك على توظيف مكانته الروحية ورعايته للمقدسات الإسلامية لحشد العرب المحافظين ضد القومية العربية الراديكالية.(5)
يذكر المؤرخ رشيد خالدي إلى أن الموجة القومية العربية “بدت وكأنها تضع الولايات المتحدة وحلفاءها في موقف غير مواتٍ للغاية. وفي مواجهة هذا الوضع الذي بدا غير متوازن، استخدمت المملكة العربية السعودية السلاح الأيديولوجي القوي المتمثل في الإسلام.”(6)
وفقاً لمذكرة محادثة رُفعت عنها السرية صادرة عن البيت الأبيض بتاريخ ٧ سبتمبر ١٩٥٧، وافق الرئيس أيزنهاور على سياسة توظيف البعد الديني في مواجهة الشيوعية، مؤكداً على ضرورة:
“بذل كل جهد ممكن للتركيز على جانب ‘الحرب المقدسة’. وفي المقابل، علّق وزير الخارجية دالاس بأن العرب، إذا ما خاضوا ‘حرباً مقدسة’، فإنهم سيرغبون في أن تكون موجهة ضد إسرائيل؛ غير أن الرئيس ذكّر بأن الملك سعود، عقب زيارته للولايات المتحدة، كان قد دعا جميع العرب إلى معارضة الشيوعية.”(7)
(1) .Vassiliev, Alexei. The History of Saudi Arabia. Saqi Books, 1998, p. 385
(2)Bronson, Rachel. Thicker Than Oil: America’s Uneasy Partnership with Saudi Arabia. Oxford UP, 2008, p. 74.
(3) Office of the Historian. (1956, December 20). Memorandum of a conference with the President, Washington, December 20, 1956 (Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Near East Region; Iran; Iraq, Vol. 12, Document 175). U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v12/d175
(4) Office of the Historian. (1956, November 20). Memorandum of a conversation, White House, Washington, November 20, 1956, 11 a.m. (Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Near East Region; Iran; Iraq, Vol. 12, Document 147). U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v12/d147
(5) Rountree, W. M. (1958, July 1). Memorandum of conversation: Subject: Lebanon and the Middle East (Doc. 242). In Foreign Relations of the United States, 1958–1960: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Vol. XII). U.S. Department of State, Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1958-60v12/d242
(6)Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 20.
(7) Office of the Historian. (1988). Memorandum of a conversation with the President, White House, Washington, September 7, 1957, 10:07 a.m. (Document 388). In J. P. Glennon, W. Klingaman, A. D. Miller, & N. J. Noring (Eds.), Foreign relations of the United States, 1955–1957: Near East: Jordan-Yemen (Vol. 13, pp. 685–689). United States Government Printing Office. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v13/d388
الطوفان السلفي الوهابي
وفق صحيفة الاندبندنت، يشير أحد التقديرات إلى أن السعودية ضخت في العقود القليلة التي سبقت عام ٢٠٠٨ ما يزيد عن ١٠٠ مليار دولار لنشر الوهابية والسلفية حول العالم،(1) ويشير تقدير آخر إلى أنها أنفقت ٢ إلى ٣ مليار سنويا منذ عام ١٩٧٥.(2) كما وظّفت السعودية —حسب عالمة السياسة راتشيل برونسون— العديد من المنظمات الإسلامية لدعم هذه الجهود.(3) ووفقاً لعالم السياسة أليكس أليكسييف، أنّ الحملة السعودية لنشر السلفية الوهابية حول العالم هي “أضخم حملة بروباغاندا [نشر أفكار] في التاريخ”(4)؛ ووصفها الصحفي ديفيد أ. كابلان بأنها “قد فاقت بمراحل جهود الدعاية السوفيتية إبان ذروة الحرب الباردة”.(5) وفي عام ٢٠١٨، أقرّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأن حملة نشر السلفية الوهابية انطلقت خلال “الحرب الباردة، حين طلب حلفاء من السعودية استخدام مواردها للحيلولة دون توغل الاتحاد السوفيتي في الدول الإسلامية”.(6) عام ٢٠١٣، حددت دراسة رسمية —أعدت بتكليف من المديرية العامة للسياسات الخارجية في البرلمان الأوروبي— الوهابيةَ كمصدر رئيسي للإرهاب العالمي.(7)
وفقاً للخالدي، إن توظيف السعودية للإسلام كأداة أيديولوجية أثبت للولايات المتحدة فاعليته، خصوصاً عندما كانت واشنطن والأنظمة المحافظة الحليفة لها في الشرق الأوسط في موقف دفاعي أمام المد القومي في أواسط الستينيات؛ ومن بعدها أصبح الإسلام جزءاً أساسياً من الترسانة الأيديولوجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، حيث وظفته أجهزة الاستخبارات الأمريكية ليس في الدول العربية فحسب، بل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.(8) فمثلاً، في عام ١٩٧٩، وخلال عملية سايكلون (Operation Cyclone) التي أطلقتها المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لدعم المجاهدين الأفغان لمحاربة الاتحاد السوفيتي، حث مستشار الأمن القومي بريجينسكي الرئيس الأمريكي على ضرورة “التنسيق مع الدول الإسلامية في إطلاق حملة بروباغاندا [نشر أفكار] وعمليات سرية لمساعدة المتمردين”.(9)
يؤكد الاقتصادي سمير أمين إلى أنه:
“لم يكن الإسلام السياسي نتاجاً عفوياً لتعبير أصيل عن قناعة دينية لدى الشعوب المعنية؛ بل جرى بناؤه بشكل منهجي على يد الإمبريالية، وحظي —بطبيعة الحال— بدعم قوى رجعية ظلامية وطبقات “كومبرادورية” تابعة. ومما لا شك فيه أن مختلف قوى اليسار لم تدرك طبيعة هذا التحدي ولم تعرف كيف تواجهه، وتلك هي نقطة فشلها.”(10)
لتفسير الانتشار السريع للوهابية وتزايد تأثيرها، استخدم المؤرخ برنارد لويس التشبيه التالي:
“تخيل لو أن منظمة “كو كلوكس كلان” أو “الأمة الآرية” قد أحكمت سيطرتها الكاملة على ولاية تكساس، وأصبحت تتصرف في جميع عائدات النفط، ثم استخدمت هذه الأموال لإنشاء شبكة من المدارس والكليات المتمتعة بتمويل سخي في شتى أنحاء العالم المسيحي، وذلك بهدف الترويج لنسختها الخاصة من المسيحية. هذا بالضبط ما فعله السعوديون مع الوهابية؛ فقد مكنتهم أموال النفط من نشر هذا الشكل المتعصب والهدام من الإسلام في جميع أنحاء العالم الإسلامي وبين المسلمين في الغرب. ولولا النفط وقيام المملكة العربية السعودية، لظلت الوهابية مجرد حركة هامشية متطرفة.”(11)
من الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تكن أول إمبراطورية تستخدم الإسلام كأداة لتحقيق أهداف امبريالية. بحسب المؤرخ ديفيد موتادل، كانت الإمبراطوريات الأوروبية تستخدم السياسات والدعاية الدينية بانتظام لتحريض السكّان المسلمين في القوى الاستعمارية المنافسة. ومن أبرز محاولات توظيف الإسلام استراتيجياً سعي دول المركز لدفع المسلمين المتدينين إلى الثورة في الحرب العالمية الأولى. ففي عام ١٩١٤ كلّفت الحكومتان الألمانية والعثمانية ‘شيخ الإسلام’ [مصطفى خيري أفندي] بإصدار فتوى لإعلان الجهاد ضد دول الوفاق. وبذلت برلين والقسطنطينية جهوداً واسعة لإثارة —على حد تعبير القيصر فيلهلم الثاني— “العالم المحمدي بأسره على ثورة عارمة” ضد الإمبراطوريات البريطانية والروسية والفرنسية، مستخدمتين شعارات وشبكات الوحدة الإسلامية، بينما ردّ الحلفاء بدعاية مضادة؛ إذ كان يُنظر إلى الإسلام كقوة سياسية مؤثرة. وكما كتب الباحث الأمريكي دوايت لي عام ١٩٤٢: “يبدو في الواقع أن حركة الدعوة الى ‘الوحدة الإسلامية’ كانت دائماً مدعومة —أو تسير بالتوازي— مع السياسة الإمبريالية لقوة أوروبية ما، بدت أهدافها ومصالحها في تلك اللحظة متوافقة مع مصالح الإسلام أو مصالح حاكم مسلم معين.”(12)
(1) Viner, Brian. "Last Night's TV: The Qur'an, Channel 4; Banged Up, Five." The Independent, 15 July 2008, www.independent.co.uk/arts-entertainment/tv/reviews/last-night-s-tv-the-qur-an-channel-4-banged-up-five-867474.html.
(2) Vallely, Paul. "Wahhabism: A Deadly Scripture." The Independent, 1 Nov. 2007, www.independent.co.uk/news/uk/home-news/wahhabism-a-deadly-scripture-398516.html.
(3) Bronson, Rachel. Thicker Than Oil: America’s Uneasy Partnership with Saudi Arabia. Oxford UP, 2008, p. 74.
(4) Gaffney, Frank, Jr. "Waging the 'War of Ideas'." Center for Security Policy, 8 Dec. 2003, centerforsecuritypolicy.org/waging-the-war-of-ideas-2/.
(5) Gaffney, Frank, Jr. “Waging the ‘War of Ideas’.” Center for Security Policy, 8 Dec. 2003, centerforsecuritypolicy.org/waging-the-war-of-ideas-2/.
(6) "Saudi Prince Denies Kushner Is 'in His Pocket'." The Washington Post, 23 Mar. 2018.
(7) Moniquet, C. (2013). The involvement of Salafism/Wahhabism in the support and supply of arms to rebel groups around the world. European Parliament, Directorate-General for External Policies. https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/document/EXPO-AFET_ET(2013)457137
(8) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 20.
(9) Brzezinski, Z. (1979, December 26). Brzezinski to Carter on Afghanistan. National Security Archive. https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB396/docs/1979-12-26%20Brzezinski%20to%20Carter%20on%20Afghanistan.pdf
(10) Amin, Samir. The Long Revolution of the Global South: Toward a New Anti-Imperialist International. 1st ed., Monthly Review Press, 2019, p. 58.
(11) Gold, Dore. Hatred’s Kingdom: How Saudi Arabia Supports the New Global Terrorism. Regnery Publishing, 2003, p. 239.
(12) Motadel, David. Islam and Nazi Germany’s War. The Belknap Press of Harvard University Press, 2014, p. 8.
آثار الطوفان السلفي الوهابي
وفقاً لعالم السياسة جيل كيبل، قبل أزمة حظر النفط عام ١٩٧٣، كانت الممارسات الدينية في أرجاء العالم الإسلامي “يسيطر عليها تقاليد وطنية أو محلية متجذرة في ورع عامة الناس”(1)، كما “كان الإسلام الشعبي الذي تمثله الطرق الصوفية بمثابة الرابط الاجتماعي الأساسي” بين المسلمين. وكان معظم المسلمين لا يعرفون القراءة أو الكتابة؛ حيث “عملت هذه الطرق الصوفية كجسر يوفق بين المعتقدات التقليدية المحلية —التي كان بعضها يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام— لدى الجماهير غير المتعلمة، وبين الثقافة الإسلامية القائمة على النصوص والكتب.”(2) لكن، بعد الارتفاع الكبير في سعر النفط الذي أعقب أزمة حظر النفط عام ١٩٧٣، تمكن الوهابيون من انفاق أموال طائلة على نشر مذهبهم بين المسلمين السنة حول العالم.(3)
تُبرز بيانات استطلاع أجراه “مركز بيو للأبحاث” (Pew Research Center) في يناير ٢٠١١ تفاوتات جغرافية ملحوظة في آراء الجمهور بشأن العقوبات القانونية الإسلامية عبر مختلف الدول. ففي كل من مصر وباكستان، يؤيد ٨٢% من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع عقوبة الرجم بتهمة الزنا، بينما يشاركهم هذا الرأي ٧٠% في الأردن و٥٦% في نيجيريا. وتصل نسبة تأييد عقوبة قطع اليد بتهمة السرقة إلى ٨٢% في باكستان، و٧٧% في مصر، و٦٥% في نيجيريا، و٥٨% في الأردن. أما فيما يتعلق بعقوبة الإعدام لمن يتركون الإسلام، فيؤيد إقرارها قانوناً ٨٦% في الأردن، و٨٤% في مصر، و٧٦% في باكستان، و٥١% في نيجيريا. وفي المقابل، يعارض المشاركون في الاستطلاع في كل من لبنان وتركيا وإندونيسيا هذه التشريعات العقابية إلى حد كبير؛ إذ يعارض الرجم ٧٧% في تركيا، و٧٦% في لبنان، و٥٥% في إندونيسيا، بينما يعارض قطع اليد بتهمة السرقة ٨٦% في لبنان، و٨٢% في تركيا، و٦١% في إندونيسيا، في حين يعترض ٩٣% في لبنان، و٩١% في تركيا، و٦٤% في إندونيسيا على عقوبة الإعدام بتهمة الردة.(4)
في ٨ ديسمبر ٢٠١٥، كتبت فرح بانديث —الممثلة الخاصة السابقة لوزارة الخارجية الأمريكية المعنية بالمجتمعات المسلمة— مقالاً في صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) قالت فيه:
“سافرتُ إلى ٨٠ دولة بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٤ بصفتي أول ممثلة خاصة للولايات المتحدة للمجتمعات المسلمة. وفي كل مكان زرته، كان للنفوذ الوهابي حضورٌ ضار وخطير، إذ عمل على تغيير الهوية المحلية وإزاحة أشكال الممارسة الإسلامية التاريخية التي كانت تتسم بالحيوية الثقافية”.(5)
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة ذا أتلانتيك (The Atlantic) في أبريل ٢٠١٦، وخلال اجتماع ضمن قمة “أبيك” (APEC) مع رئيس الوزراء الأسترالي الجديد مالكولم تيرنبول، شارك الرئيس أوباما ملاحظاته حول التحول التدريجي في إندونيسيا من نمط الإسلام المتسامح والممزوج بالثقافة المحلية إلى نهج أكثر تشدداً وأصولية؛ مشيراً، على سبيل المثال، إلى مدى انتشار الحجاب بين النساء الإندونيسيات.(6)
وعندما سأله تيرنبول بإلحاح عن السبب الجذري لهذا التحول، عزاه الرئيس أوباما إلى الدعم المالي الكبير من المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، وهو دعم موّل تدفق أعداد كبيرة من الأئمة والمعلمين. وأوضح لتيرنبول أن استثمارات سعودية ضخمة تدفقت خلال حقبة التسعينيات إلى المدارس الدينية الوهابية لترويج العقيدة الأصولية التي تتبناها الأسرة الحاكمة في السعودية، مما جعل الممارسة الإسلامية في إندونيسيا —في نهاية المطاف— أقرب بكثير إلى النمط السعودي مقارنةً بما كانت عليه إبان طفولته هناك. سأل تيرنبول: “أليس السعوديون حلفاءكم؟” ابتسم أوباما وقال: “الأمر معقد”.(7)
(1) Kepel, Gilles. Jihad: The Trail of Political Islam. Harvard University Press, 2002, p. 69.
(2) 48 .ibid., p
(3) 70 .ibid., p
(4) Pew Research Center. (2011, January 18). Stoning adulterers. https://www.pewresearch.org/short-reads/2011/01/18/stoning-adulterers/
(5) Pandith, F. (2015, December 8). The world needs a long-term strategy for defeating extremism. The New York Times. https://www.nytimes.com/roomfordebate/2015/12/08/is-saudi-arabia-a-unique-generator-of-extremism/the-world-needs-a-long-term-strategy-for-defeating-extremism
(6) Goldberg, J. (2016, April). The Obama doctrine. The Atlantic, 317(3), 70–102. https://www.theatlantic.com/magazine/archive/2016/04/the-obama-doctrine/471525/
(7) .ibid
الإرهاب السلفي الوهابي على المستوى العالمي
في ١١ يونيو ٢٠١٣، حددت دراسة رسمية —أعدت بتكليف من المديرية العامة للسياسات الخارجية في البرلمان الأوروبي— الوهابيةَ كمصدر رئيسي للإرهاب العالمي.(1)
في مقال نُشر في مجلة “نيو ستيتسمان” (New Statesman) بتاريخ ٦ نوفمبر ٢٠١٤، تناولت الكاتبة والمؤرخة الدينية البريطانية كارين أرمسترونغ الجذور الأيديولوجية لتنظيم “داعش”، مجادلةً بأن العنف الذي يمارسه التنظيم ينبع من أيديولوجية أصولية محددة ظهرت في العصر الحديث، وليس من التاريخ الإسلامي السائد.(2) حيث قالت:
“تبدو الوحشية البشعة التي يمارسها تنظيم ’داعش‘ تجسيداً للعنف الذي يعتقد الكثيرون أنه متأصل في الدين عموماً، وفي الإسلام على وجه الخصوص. […] قد يرى البعض في النزعة التوسعية الشرسة التي يتبناها التنظيم [داعش] دليلاً على عجز الإسلام المزمن عن تبني القيم الحديثة. ومع ذلك، ورغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يُعد بلا شك حركة إسلامية، إلا أنه ليس نموذجاً تقليدياً للإسلام ولا هو غارق في الماضي البعيد؛ إذ تعود جذوره إلى الوهابية —وهي شكل من أشكال الإسلام الممارس في المملكة العربية السعودية— التي لم تظهر إلا في القرن الثامن عشر.”(3)
خلال شهادته أمام جلسة استماع لمجلس الشيوخ الأمريكي في ٢٦ يونيو ٢٠٠٣ —والتي ركزت على الدوافع الأيديولوجية والمالية للإرهاب العالمي— قدّم عالم السياسة أليكس أليكسييف نقداً شاملاً للوهابية وبنيتها التحتية الدولية. حيث قال:
“إن تنظيم القاعدة —على الرغم من طبيعته الإجرامية— ليس في نظري سوى عرض لداءٍ كامنٍ أعمق، ألا وهو التطرف الإسلامي، وما يمكن تسميته بالبنيان الكامل للتطرف الذي يفرخ الإرهاب. وما أعنيه بذلك هو أنه حتى لو نجحنا في القضاء على تنظيم القاعدة تماماً، فإن نسخة أخرى منه ستظهر ما لم ننجح في الوقت ذاته في تدمير صرح التطرف الإسلامي هذا.
تحظى هذه البنية التحتية الدولية الضخمة برعاية أيديولوجية ومالية من الوهابية، وهو ما يعني عملياً المملكة العربية السعودية. ولا أعتقد أننا سنحرز تقدماً كبيراً —أو تقدماً مستداماً— في الحرب على الإرهاب ما لم نقضِ على هذا الصرح المتطرف.
دعوني أتحدث بإيجاز عن الأيديولوجيا التي تحرك الوهابية. تدعي الوهابية أنها تمثل الإسلام في أنقى صوره، ولكنني أؤكد لكم —يا سيادة الرئيس— أنها أبعد ما تكون عن ذلك؛ فهي في الواقع طائفة رجعية للغاية ومنغلقة، وتتعارض تعاليمها مع العقيدة الإسلامية التقليدية. ولهذا السبب، ليس من الدقة وصفها بأنها ‘أصولية’؛ لأنها في الحقيقة تخالف بعض أصول التعاليم الإسلامية الواردة في القرآن الكريم. بل إن التعاليم الوهابية تتناقض مع المبادئ القرآنية التقليدية لدرجة تصل إلى حد تحريفها.
ولأضرب لكم مثالاً واحداً: تُعلِّم الوهابية —وقد دأبت على ذلك منذ نشأتها في القرن الثامن عشر— أن جميع المسلمين الذين لا يتبنون الفكر الوهابي هم في حكم المرتدين والزنادقة، وأن ممارسة العنف ضدهم ليست مباحة فحسب، بل واجبة أيضاً. ولا تزال هذه التعاليم هي المعتمدة لدى الوهابيين حتى يومنا هذا. ونتيجة لذلك، فإن الوهابية لا تستهدف الكفار أو غير المسلمين فحسب، بل إنها تستهدف أيضاً المسلمين الذين لا يتبنون هذا الفكر وتشكل تهديداً لهم. وهذه نقطة جوهرية ينبغي استيعابها. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه العقيدة العنيفة —في رأيي— النموذج الأيديولوجي لجميع الجماعات الإسلامية المتطرفة والإرهابية، بما في ذلك تلك التي تعارض آل سعود بعنف، مثل جماعة بن لادن. ومن هذا المنطلق، من المهم للغاية أن ندرك أن أنشطة الوهابية ليست مسألة دينية، بل هي —في نظري— مسألة فتنة إجرامية، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس.
ومن الأهمية بمكان أيضاً أن ندرك —كما أشرتُ— أنها لا تهدد نظامنا الديمقراطي الليبرالي فحسب، بل تهدد أيضاً مسلمين آخرين، مثل السنة والشيعة ومختلف الطرق الصوفية وجماعة ‘البريلوية’ في جنوب آسيا والبهائيين والأحمديين وغيرهم. وفي الواقع، يُعد هؤلاء المسلمون حلفاء محتملين في الصراع ضد هذه الظاهرة المتطرفة.
والآن، كيف يمكن تفسير حقيقة أن عقيدةً بغيضة كهذه قد تمكنت بالفعل من الهيمنة على جزء كبير من المؤسسة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وأصبحت لسان حالها السائد؟ الإجابة المختصرة —وهناك أمور أخرى يمكننا الحديث عنها— هي المال؛ وبكميات هائلة. فخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية تقريباً، ووفقاً للمعلومات الرسمية السعودية، قدمت المملكة العربية السعودية ما يزيد عن ٧٠ مليار دولار فيما تسميه ‘مساعدات تنموية’، وهي أموال تؤكد المملكة نفسها أن معظمها يُنفق على ما تصفه بـ ‘الأنشطة الإسلامية’.
السيناتور كايل: خلال أي فترة زمنية؟
السيد أليكسييف: على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية تقريباً، أي من منتصف السبعينيات وحتى نهاية العام الماضي؛ حيث بلغ المبلغ ٢٨١ مليار ريال سعودي وفقاً لبياناتهم الرسمية. وهذا يعادل قرابة ٢,٥ مليار دولار سنوياً. وفي رأيي، يجعل هذا الأمر من هذه الحملة أكبر حملة أيديولوجية مستمرة في التاريخ. لقد عملتُ كمتخصص في الشؤون السوفيتية (سوفييتولوجي) لما يقرب من عقدين، وكانت أفضل التقديرات المتاحة لدينا بشأن إنفاق الاتحاد السوفيتي على الدعاية الخارجية تبلغ مليار دولار سنوياً. لذا، نحن نتحدث عن مبلغ هائل للغاية يُنفق لغرض محدد يتمثل في الترويج للكراهية الوهابية ونشرها.
لقد استخدموا هذه الأموال للسيطرة على المساجد في جميع أنحاء العالم، وفرض الهيمنة الوهابية على المؤسسات الإسلامية، وتمويل المدارس الدينية المتطرفة في جنوب آسيا وأماكن أخرى، والسيطرة على دور النشر الإسلامية؛ إذ يسيطرون حالياً على ما يقرب من أربعة أخماس دور النشر الإسلامية. كما ينفقون مبالغ طائلة على أنشطة تبشيرية عدوانية، وذلك بخلاف الدعم المباشر للإرهاب.
ما الذي حققوه مقابل هذه الأموال؟ أود أن أقول إنهم حققوا الكثير. ولأضرب لكم مثالاً واحداً: توجد في باكستان قرابة ١٠ آلاف مدرسة دينية متطرفة تديرها جماعة ‘الديوبندية’ الحليفة للوهابيين، وتتشابه الديوبندية والوهابية إلى حد كبير في الأيديولوجيا. ووفقاً لمصادر باكستانية، تقوم هذه المدارس حالياً بتعليم ما بين مليون و١,٧ مليون طفل، وتغرس فيهم الكراهية بشكل أساسي؛ إذ لا يتلقى هؤلاء الأطفال قدراً كبيراً من التعليم في أي مواد لا تتعلق بالأنشطة الإسلامية.
ومن المهم أن نعلم أن ١٥ في المائة من هؤلاء الأطفال —الذين يبلغ عددهم مليون طفل على الأقل— هم من الأجانب. إذا، ليست باكستان وحدها هي المتضررة من حقيقة أن عشرات ومئات الآلاف من الأطفال يتلقون تعليمًا يحض على الكراهية، ويتخرجون من هذه المدارس الدينية دون أي تعليم نافع يمكن استخدامه في سوق العمل، بينما يكونون مهيئين تمامًا للانخراط في ‘الجهاد’ والأنشطة المتطرفة. فعلى سبيل المثال، هناك ١٦ ألفًا من الطلاب الذين يتلقون تعليمهم في هذه المدارس هم من العرب.
ونتيجة لذلك، أصبحت باكستان على وشك التحول إلى دولة عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية؛ إذ تحكم اثنتان من مقاطعاتها —وهما مقاطعة الحدود الشمالية الغربية وبلوشستان— حكومات متطرفة علنًا، كما تجري في هاتين المقاطعتين عملية ‘أفغنة’ (أو تحويل إلى نموذج طالبان) تثير قلقًا بالغًا. ومرة أخرى، لا تقتصر المشكلة على باكستان؛ فالظاهرة منتشرة في كل مكان. ورغم أننا لا نملك الوقت لمناقشة ذلك بالتفصيل هنا، إلا أنني أود الإشارة إلى أنه في المناطق الكردية بالعراق، بدأت الآن أكثر من ٤٠ مسجدًا في ممارسة نشاطها، وسنسمع عنها وعن تأثيرها قريبًا. وهذا لا يبشر بالخير لجهودنا الرامية إلى ترسيخ الديمقراطية في العراق ما لم نعمل على تقويض هذه الأنشطة.
أما الأموال التي تنفقها السعودية، فيتم تحويلها إلى المنظمات المتطرفة عبر شبكة من الجمعيات الخيرية والمنظمات التي تعمل كواجهات صورية. وعلى عكس المزاعم الرسمية السعودية —التي يتقبلها الكثيرون للأسف دون تمحيص أو نقد— فإن أياً من هذه المنظمات ليست خاصة أو خيرية في حقيقتها؛ بل هي منظمات تخضع لسيطرة الحكومة وترعاها وتمولها، وأبرزها: رابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، ومؤسسة الحرمين، وهيئات الإغاثة الإسلامية الدولية. وهناك العديد والعديد غيرها؛ إذ يوجد في السعودية ما مجموعه أكثر من ٢٥٠ منظمة تُصنّف على أنها خيرية.
وقد اتهمت السلطات الأمريكية معظم هذه المنظمات الكبرى —بما في ذلك المنظمات الأربع التي ذكرتها للتو— بالتورط في دعم أنشطة إرهابية. دعوني أشير هنا إلى عامل إضافي يبيّن أن الحكومة السعودية تدرك تماماً ما تقوم به هذه المنظمات؛ ألا وهو حقيقة أنها أصدرت قانوناً —يعود تاريخه إلى عام ١٩٩٣— يحظر جمع أي تبرعات، بما في ذلك تبرعات الزكاة، إلا تحت إشراف الدولة. ولذا، فإن الفكرة التي كثيراً ما نسمعها من السعوديين أنفسهم —والتي تزعم أن هذه المنظمات هي كيانات خاصة غير حكومية— تُعد، في رأيي، ادعاءً باطلاً.
مرة أخرى، لا يوجد أي مؤشر —على الأقل بالنسبة لي— على أن الرياض مهتمة بوقف تدفق هذه الأموال إلى المنظمات المتطرفة؛ بل إن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً.”(4)
في مقابلة نُشرت بتاريخ ٧ مايو ٢٠٠٧ وأجراها “المجلس الإسلامي الأعلى في أمريكا”، صرّح عالم الدين الأمريكي الشيخ محمد هشام قباني قائلاً:
“جواب: في رأيي المتواضع، لا يملك العلماء المعتدلون أي نفوذ أو وصول؛ فالصوت المهيمن اليوم هو صوت المذهب الوهابي. إنهم يسيطرون على كل شيء: النشر، والكتب، والمال؛ فكل الأمور بأيديهم. [...] سؤال: أنت تقول إن الوهابية هي المصدر الرئيسي للتطرف. جواب: بالطبع، الإسلام دين سلمي عبر تاريخه، ولا يبيح العدوان. لكن المذهب الوهابي ينشر أيديولوجية متطرفة بتمويل من عائدات النفط. واليوم، باتت الوهابية موجودة في كل مكان، وليس في المملكة العربية السعودية فحسب.”(5)
في ٢٢ يناير ٢٠١٦، صرّح الشيخ عادل الكلباني —وهو إمام سابق للمسجد الحرام في مكة المكرمة— خلال مقابلة تلفزيونية بأن داعش هي نتاج الصحوة وأنها “نبتة سلفية”.(6) وأضاف:
”الفكر الذي تحمله داعش فكر سلفي، ليست اخوانية، وليست قطبية، وليست صوفية، وليست أشعرية. يستدلون بما في كتبنا نحن، وفي مبادئنا نحن. ولأجل هذا، ستجد أن أكثر من ينقدها، لا ينقد فكرها، هو ينقض فعلها. نحن نريد نقض، أنقض الفكرة التي بنت عليها. […] قد تأتي الاستخبارات، أو دول أخرى مستفيدة، وتنمي هذا، وتسهّل لهم الأمور، وتعطيهم. وهي بلا شك مدت بأسلحة، ومدت بعتاد، وترك لها مجال رحب لتسير في الأرض. هذا، لا شك، من ورائهم منتفع. لكن منتفع استغل مبدئا موجودا عندنا، وموجود في كتبنا، وبين ظهرانينا.”(7)
في مقال نُشر بصحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) بتاريخ ٢٦ أغسطس ٢٠١٦، تناول الصحفي سكوت شين الجدل الدائر حول تصدير السعودية للفكر الأصولي، مشيراً إلى دورها التاريخي في إفراز شخصيات متشددة بارزة، وموضحاً أن السعودية:
“لم تخرج أسامة بن لادن فحسب، بل أيضاً ١٥ من أصل ١٩ شخصاً نفذوا عمليات اختطاف الطائرات في ١١ سبتمبر ٢٠٠١، كما أرسلت إلى العراق —بعد غزو عام ٢٠٠٣— عدداً من الانتحاريين يفوق ما أرسلته أي دولة أخرى، وزوّدت تنظيم ‘الدولة الإسلامية’ بأكبر عدد من المقاتلين الأجانب (٢٥٠٠ مقاتل) مقارنة بأي دولة باستثناء تونس”.(8)
خلص تقييم أجراه “معهد بروكينغز” (Brookings Institution) للهجمات الإرهابية التي شنتها جماعات سنية وشيعية خلال الفترة الممتدة من عام ١٩٨١ إلى عام ٢٠٠٦ إلى ما يلي:
“تطور الإرهاب السني في المناطق غير القتالية عبر أربع موجات متداخلة؛ فقد اتسم هذا الإرهاب —الذي نفذته مئات الجماعات المتقاربة أيديولوجياً— بعمليات مستمرة تراوحت حدتها بين المتوسطة والعالية، انطلاقاً من رؤية تعتبر الحرب ضد “الكفار” و”المرتدين” حالة دائمة ومستمرة. وفي المقابل، نُفذ الإرهاب الشيعي في المناطق غير القتالية خلال الفترة ذاتها عبر خمس حملات منفصلة، وقام به فاعلان رئيسيان: عناصر تابعة للدولة الإيرانية من أجهزة شبه عسكرية واستخباراتية وطنية خاصة، وعناصر تابعة لحزب الله. وقد ارتبطت دوافع الإرهاب الشيعي في تلك الفترة ارتباطاً وثيقاً بالأهداف التنظيمية للدولة الإيرانية وحزب الله، ولا سيما هدف بقاء الدولة أو الجماعة.”(9)
وفقاً لتقرير أصدرته مؤسسة “راند” (RAND Corporation) في ٤ يونيو ٢٠١٤، تُظهر عمليات الرصد العالمية للفترة الممتدة من عام ١٩٨٨ إلى عام ٢٠١٣ أن عدد الجماعات السلفية الجهادية النشطة قد تضاعف بشكل كبير؛ إذ ارتفع من ثلاث جماعات فقط في عام ١٩٨٨ ليصل إلى ما يقرب من ٥٠ جماعة بحلول عام ٢٠١٣. وبالتزامن مع ذلك، شهد إجمالي عدد المقاتلين السلفيين حول العالم زيادة حادة؛ حيث ارتفع من بضعة آلاف في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات ليصل —بحلول عام ٢٠١٣— إلى ما يتراوح بين حد أدنى يربو على ٤٥ ألفاً وحد أقصى يتجاوز ١٠٠ ألف مقاتل، مدفوعاً بتصاعدٍ حادٍ بدأ مع مطلع العقد الثاني من الألفية الحالية (عقد ٢٠١٠).(10)
وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي (Global Terrorism Index) لعام ٢٠٢٦، كانت أربع شبكات رئيسية تتبنى الفكر السلفي الجهادي —وهي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفروعه الإقليمية، وحركة “تحريك طالبان باكستان” (TTP)، وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، وحركة “الشباب”— مسؤولة عن نحو ٧٠ في المائة من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم. وقد تسبب تنظيم الدولة الإسلامية وفروعه الإقليمية في دمار واسع النطاق، حيث سُجّلت ٢٣٨ هجوماً في سوريا، و٢٢١ هجوماً في أنحاء منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، و٩٢ هجوماً في نيجيريا. وفي الوقت نفسه، صعّدت حركة “تحريك طالبان باكستان” من وتيرة عملياتها، منفذةً ٥٩٥ هجوماً أسفرت عن مقتل ٦٣٧ شخصاً على طول الحدود بين باكستان وأفغانستان، بينما حافظت كل من جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في منطقة الساحل وحركة “الشباب” في الصومال (التي نفذت ٩٣ هجوماً تسببت في ٢٨٦ حالة وفاة) على مستويات عالية من الفتك في بؤر الصراع الأفريقية.(11)
(1) Moniquet, C. (2013). The involvement of Salafism/Wahhabism in the support and supply of arms to rebel groups around the world. European Parliament, Directorate-General for External Policies. https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/document/EXPO-AFET_ET(2013)457137
(2) Armstrong, K. (2014, November 6). Wahhabism to ISIS: How Saudi Arabia exported the main source of global terrorism. New Statesman. https://www.newstatesman.com/long-reads/2014/11/wahhabism-isis-how-saudi-arabia-exported-main-source-global-terrorism
(3) .ibid
(4) Alexiev, A. (2003). Terrorism: Growing Wahhabismroots and its consequences (Serial No. 108-301) [Congressional hearing testimony]. U.S. Government Publishing Office. https://www.congress.gov/event/108th-congress/senate-event/LC15557/text
(5) Islamic Supreme Council of America. (2007, May 7). Interview with Sheikh Muhammad Hisham Kabbani. https://wpisca.wpengine.com/?p=90
(6) Integrity UK. (2016, January 27). Former Imam of the Grand Mosque in Mecca, Adel Kalbani: Daesh ISIS have the same beliefs as we do [Video]. YouTube.
(7) .ibid
(8) Shane, Scott. “Saudi Arabia, an Unyielding Fundamentalism.” The New York Times, 26 Aug. 2016, www.nytimes.com/2016/08/26/world/middleeast/saudi-arabia-islam.html.
(9) Lynch III, T. F. (2008, December 29). Sunni and Shi‘a terrorism: Differences that matter. Brookings Institution. https://www.brookings.edu/articles/sunni-and-shi-a-terrorism-differences-that-matter/
(10) Jones, S. G., & Libicki, M. C. (2014). A persistent threat: The evolution of al Qa’ida and other Salafi Jihadists. RAND Corporation. https://www.rand.org/pubs/research_reports/RR637.html
(11) Institute for Economics & Peace. (2026). Global terrorism index 2026: Measuring the impact of terrorism. https://www.visionofhumanity.org/resources

