يشير روبرت سي. ألين، أستاذ تاريخ الاقتصاد، إلى أن “سجل الاتحاد السوفيتي [الاقتصادي] الإجمالي من عام ١٩٢٨ إلى عام ١٩٨٩ أفضل من سجل جميع الدول الكبرى غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باستثناء تايوان وكوريا الجنوبية، قادة المعجزة الآسيوية الشرقية.”
المصدر: Allen, Robert C. Farm to Factory: A Reinterpretation of the Soviet Industrial Revolution. Princeton UP, 2009, p. 7.
استناداً إلى بيانات (Maddison Project Database) —والمعروضة في منصة (Our World in Data)— يُظهر الرسم البياني الذي يغطي جميع دول العالم أن الاتحاد السوفيتي السابق شهد أكبر زيادة تراكمية في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، حيث ارتفع هذا المؤشر بأكثر من ١٢٠٠% بحلول عام ١٩٨٩ مقارنة بمستواه في عام ١٩٢١.
المصدر: Bolt, J., & van Zanden, J. L. (2020). Maddison Project Database 2020 [Data set]. Our World in Data. https://ourworldindata.org/economic-growth
استناداً إلى بيانات (Maddison Project Database) —والمعروضة في منصة (Our World in Data)، يُبيّن هذا الرسم البياني —الذي يغطي الفترة من عام ١٨٨٥ إلى عام ١٩٩٠— نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الإمبراطورية الروسية، وكذلك في الاتحاد السوفيتي منذ تأسيسه عام ١٩٢٢، وذلك بعد تعديل الأرقام لمراعاة التضخم واحتسابها بالدولار الدولي لعام ٢٠١١.
المصدر: Roser, M. (2022). GDP per capita development of the Soviet Union [Chart]. Wikimedia Commons. https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/archive/e/e9/20220225165703%21GDP_per_capita_development_of_the_Soviet_Union.svg
يذكر أستاذ الاقتصاد آدم هنية أن النظام الرأسمالي العالمي قد تعرض لزعزعة الاستقرار في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بفعل موجة ثورية من حركات إنهاء الاستعمار والهيمنة الأجنبية التي اجتاحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.(1) ووفقاً للمؤرخ إل. إس. ستافريانوس، استلهمت العديد من الأنظمة الثورية التقدم الاجتماعي والاقتصادي السريع الذي حققه الاتحاد السوفيتي، فقامت بتطبيق اقتصادات مخططة مركزياً واعتماد الملكية العامة.(2) في سيرته الذاتية، صرّح رئيس الوزراء الهندي الأسبق جواهر لال نهرو بأن “وجود السوفييت وما قدموه من نموذج كان ظاهرةً مشرقةً وبعثت على الأمل في عالمٍ يكتنفه الظلام والكآبة”.(3)
بحسب عالم السياسة مايكل بارينتي، نفذت هذه الحكومات الثورية إصلاحات زراعية وبرامج شاملة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والتوظيف. ومن خلال معالجة آثار الاستغلال الاستعماري والفقر المدقع، أدت هذه المبادرات إلى ارتفاع غير مسبوق تاريخياً في مستويات المعيشة لمئات الملايين من البشر.(4) ويرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الحكومات الثورية حققت أيضاً تقدماً في مجالات التصنيع والمساواة الاقتصادية وبناء الدول الحديثة.(5) وتشير بيانات البنك الدولي، التي استشهدت بها الاقتصادية أليس أمسدن، إلى محطة تاريخية هامة بين عامي ١٩٥٠ و١٩٨٠؛ إذ تفوقت الاقتصادات النامية —لأول مرة في التاريخ المسجل— على الاقتصادات المتقدمة، محققةً متوسط نمو سنوي في الدخل يتجاوز ٥% مقارنةً بـ ٤% في الاقتصادات المتقدمة. وقد وصفت أمسدن هذه الحقبة بأنها “فترة شهدت توسعاً غير مسبوق في مستويات المعيشة، ودخل الفرد، والأجور، ومعدلات الحد من الفقر”.(6)
المصادر:
(1) Hanieh, Adam, Robert Knox, and Rafeef Ziadah. Resisting Erasure: Capital, Imperialism and Race in Palestine. eBook ed., Verso Books, 2025, p. 25
(2) Stavrianos, L. S. Global Rift: The Third World Comes of Age. 1st ed., William Morrow and Co., 1981, pp. 509–511.
(3) Nehru, Jawaharlal. An Autobiography. 4th ed., Oxford UP, 1988, p. 362.
(4) Parenti, Michael. Blackshirts and Reds: Rational Fascism and the Overthrow of Communism. City Lights Books, 2020, p. 26.
(5) Amin, Samir. The Long Revolution of the Global South: Toward a New Anti-Imperialist International. Translated by James Membrez, Monthly Review Press, 2019, pp. 16–17.
(6) Amsden, Alice H. Escape from Empire: The Developing World’s Journey Through Heaven and Hell. MIT Press, 2007, pp. 5–6.
بحسب تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) رفع عنه السريّة صادر في ١ ديسمبر ١٩٧٦:
“قد تكون للتحركات السعودية —وإن كانت أقل إثارة— آثارٌ بعيدة المدى وأكثر عمقاً؛ فالسلاح السعودي هو المال، والهدف هو تشجيع الاعتدال [ضد التطرف اليساري] في المنطقة.
[...]
ستظل الثروة المتنامية لدول الخليج العائقَ الثالث —وربما الأهم— طويلَ الأمد أمام التغلغل السوفيتي في المنطقة.”
المصدر: Central Intelligence Agency. (1976, December 1). The Soviets in the Persian Gulf/Arabian Peninsula: Assets and prospects (Report No. PR 76 10077; Document ID CIA-RDP79T00889A000900070001-3) [Intelligence report]. FOIA Electronic Reading Room. https://www.cia.gov/readingroom/document/cia-rdp79t00889a000900070001-3
عقب الغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر ١٩٧٩، قيّم الرئيس جيمي كارتر المخاطر الجيوسياسية الأوسع نطاقاً في مذكراته بعنوان (Keeping Faith، الصادرة في أكتوبر ١٩٨٢) قائلاً:
“إن الاستيلاء الناجح على أفغانستان من شأنه أن يمنح السوفييت موطئ قدم متغلغل في العمق بين إيران وباكستان، ويُشكّل تهديداً لحقول النفط الغنية في منطقة الخليج الفارسي وللممرات المائية الحيوية التي تعبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية”.
المصدر: .Jimmy Carter, Keeping Faith: Memoirs of a President (New York: Bantam Books, 1982), 471–472
في مذكرة رُفعت عنها السرية وموجهة إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بتاريخ ٢٦ ديسمبر ١٩٧٩ —نشرها “أرشيف الأمن القومي”— عرض مستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريجينسكي توصيات استراتيجية عقب الغزو السوفيتي لأفغانستان، مشدداً على ضرورة دعم المتمردين الأفغان للحيلولة دون فرض الهيمنة السوفيتية على جنوب غرب آسيا. وإذ حذّر بريجينسكي من أن التدخل السوفيتي يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي، فقد حث بريجينسكي الرئيس الأمريكي كارتر على حشد الدعم الدولي والإقليمي، مؤكداً على ضرورة “التنسيق مع الدول الإسلامية في كل من حملة بروباغندا [دعاية] وحملة عمليات سرية لمساعدة المتمردين”.
المصدر: Brzezinski, Z. (1979, December 26). Reflections on Soviet intervention in Afghanistan [Memorandum]. National Security Archive, George Washington University. https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB396/docs/1979-12-26%20Brzezinski%20to%20Carter%20on%20Afghanistan.pdf
وفقاً لوثيقة رسمية لوزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ ٢١ يناير ١٩٨٠ تُوثّق تقريراً للسي آي إيه رُفعت عنه السرية، جرى إرسال شحنات أسلحة سرية إلى المجاهدين الأفغان عقب الغزو السوفيتي. وأشار التقرير إلى أن إمدادات الأسلحة —التي شملت ذخائر من الطراز السوفيتي، وألغاماً مضادة للدبابات، وقنابل يدوية، وقذائف هاون— قد جرى شراؤها من مصر بتمويل سعودي، في حين تسلّم جهاز الاستخبارات الباكستاني هذه المعدات في إسلام أباد للإشراف على توزيعها سراً داخل أفغانستان.
المصدر: Central Intelligence Agency. (1980, January 21). Status report prepared in the Central Intelligence Agency (Doc. No. 176). In U.S. Department of State, Office of the Historian, Foreign Relations of the United States, 1977–1980: Vol. XII. Afghanistan (E. C. Keefer, Ed.). U.S. Government Printing Office. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v12/d176
في أعقاب الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان أواخر ديسمبر ١٩٧٩، ألقى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر خطاب “حالة الاتحاد” أمام جلسة مشتركة للكونغرس في ٢٣ يناير ١٩٨٠. وقد أوضح كارتر موقفاً رئيسياً في السياسة الخارجية —عُرف لاحقاً باسم “مبدأ كارتر”— قائلاً:
“ليكن موقفنا واضحاً تماماً: إن أي محاولة من جانب أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم التصدي لمثل هذا الاعتداء بجميع الوسائل اللازمة، بما في ذلك القوة العسكرية.”
المصدر: Carter, J. (1980, January 23). Address by President Carter on the State of the Union before a Joint Session of Congress (Doc. No. 138). In U.S. Department of State, Office of the Historian, Foreign Relations of the United States, 1977–1980: Vol. I. Foundations of foreign policy (P. M. Read & N. D. Howland, Eds.). U.S. Government Printing Office. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v01/d138
خلال اجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن القومي الأمريكي عُقد في ٥ سبتمبر ١٩٨٠، قيّم كبار مسؤولي السياسة الخارجية الرهانات الجيوسياسية المتعلقة بأمن النفط في الشرق الأوسط في أعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان. ووفقاً لمحاضر مجلس الأمن القومي التي رُفعت عنها السرية:
“سأل الدكتور بريجينسكي السيد موسكي عما إذا كان يوافق على الطرح القائل بأن فقدان السيطرة على الخليج الفارسي سيؤدي إلى فقدان أوروبا. (سري للغاية/حساس)
فأبدى موسكي موافقته على ذلك. (سري للغاية/حساس)”
وقد حذرت الوثيقة صراحةً من التحركات السوفيتية في المنطقة:
“إن أي محاولة عسكرية للسيطرة على الخليج الفارسي —بما في ذلك، على وجه التحديد، أي عمل عسكري سوفيتي في إيران— قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة”.
المصدر: National Security Council. (1980, September 5). Summary of conclusions of a Special Coordination Committee meeting (Doc. No. 356). In U.S. Department of State, Office of the Historian, Foreign Relations of the United States, 1977–1980: Vol. XI. Iran: Hostage crisis, November 1979–September 1980, part 1 (K. L. Nelson, Ed.). U.S. Government Printing Office. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v11p1/d356
يشير الصحفي روبرت دريفوس، في كتابه (Devil’s Game)، إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ويليام كيسي تعاون مع السعودية —لتحقيق النصر في الحرب الباردة— ليس فقط كمصدر مالي لدعم الجهاد ضد أعداء أمريكا، بل كأداة استراتيجية لاستخدام “سلاح النفط” ضد الاتحاد السوفيتي. ويوضح دريفوس، استناداً إلى مقابلة أجراها مع هربرت ماير —المساعد الخاص لمدير الاستخبارات المركزية الأمريكية في عهد الرئيس ريغان— أن “بيل [المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية] لعب دوراً محورياً في العمل مع السعوديين لخفض أسعار النفط”. ويضيف دريفوس أن زيادة إنتاج النفط السعودي في الثمانينيات أدى إلى هبوط حاد في الأسعار من ٢٨ دولاراً إلى ١٠ دولارات للبرميل في غضون أسابيع، مما ألحق ضرراً بالغاً بعائدات النفط السوفيتية. وفي معرض وصفه للأثر المدمر لهذه المناورة، أشار ماير في المقابلة إلى أنها “كانت ضربة قاصمة للسوفييت؛ إذ كانت بمثابة قطع أنبوب الأكسجين عنهم.”(1)
وفي مقال نُشر في مجلة (Foreign Affairs) في الأول من مارس ٢٠٠٢، يُشير محللا شؤون الطاقة، إدوارد إل. مورس وجيمس ريتشارد، إلى أن القدرة الإنتاجية الاحتياطية النفطية السعودية تُعادل “من حيث القوة والتأثير، الأسلحة النووية […] كما أنها تمثل حجر الزاوية في العلاقات الأمريكية السعودية.” ويشيران إلى أن حرب أسعار النفط التي أطلقتها السعودية ضد الاتحاد السوفيتي في ١٩٨٥-١٩٨٦ أدت “إلى انهيار صناعة النفط السوفيتية، وهو ما عجّل بدوره بسقوط الاتحاد السوفيتي.”(2)
المصادر:
(1) Dreyfuss, Robert. Devil’s Game: How the United States Helped Unleash Fundamentalist Islam. Owl Books, 2006, p. 182.
(2) Morse, E. L., & Richard, J. (2002). The battle for energy dominance. Foreign Affairs, 81(2), 16–31. https://www.foreignaffairs.com/saudi-arabia/battle-energy-dominance
في خطاب ألقاه في ١٤ فبراير ٢٠٢٦ خلال مؤتمر ميونخ للأمن، استعرض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التحولات التاريخية للغرب بدءاً من مرحلة صعود الإمبراطوريات الغربية قبل خمسة قرون وصولاً إلى المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، قائلاً:
“على مدى خمسة قرون —وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية— كان الغرب في حالة توسع مستمر؛ إذ تدفق المبشرون والحجاج والجنود والمستكشفون من شواطئه ليعبروا المحيطات، ويستوطنوا قارات جديدة، ويشيدوا إمبراطوريات شاسعة امتدت عبر أرجاء المعمورة.
ولكن في عام ١٩٤٥، وللمرة الأولى منذ عصر كولومبوس، بدأ الغرب ينكمش؛ فقد كانت أوروبا حطاماً، يعيش نصفها خلف ‘الستار الحديدي’، بينما بدا أن النصف الآخر سيلحق به قريباً. لقد دخلت الإمبراطوريات الغربية العظمى مرحلة أفولٍ حتمي، تسارعت وتيرته بفعل الثورات الشيوعية الملحدة وانتفاضات مناهضة الاستعمار التي غيّرت وجه العالم، ونشرت راية ‘المطرقة والمنجل’ الحمراء فوق مساحات شاسعة من الخريطة في السنوات التي تلت ذلك.
وفي ظل تلك الظروف —آنذاك كما هو الحال اليوم— ساد اعتقاد لدى الكثيرين بأن عصر الهيمنة الغربية قد ولى، وأن مستقبلنا محكوم عليه بأن يكون مجرد صدىً باهتٍ وواهنٍ لماضينا. غير أن أسلافنا أدركوا معاً أن الأفول خيارٌ يمكن تجنبه، وهو خيارٌ رفضوا اتخاذه. هذا ما فعلناه معاً من قبل، وهذا ما يسعى الرئيس ترامب والولايات المتحدة للقيام به مجدداً الآن، جنباً إلى جنب معكم.”
المصدر: Rubio, M. (2026, February 14). Secretary of State Marco Rubio at the Munich Security Conference [Speech transcript]. U.S. Department of State. https://www.state.gov/releases/office-of-the-spokesperson/2026/02/secretary-of-state-marco-rubio-at-the-munich-security-conference



