وفق أستاذ الاقتصاد السياسي والتنمية العالمية بجامعة إكستر آدم هنية:
“مقابل الحصول على الدعم العسكري والسياسي الغربي، أبدى النظام السعودي استعداداً تاماً للعمل على تقويض القومية العربية من خلال التأثير المفسد لـ ‘البترودولار’؛ إذ أمكن توظيف هذه الأموال لدعم القوى الموالية للغرب في المنطقة دون وجود صلة مباشرة بالتمويل الغربي. وانسجاماً مع هذا المنطق، جرى تشجيع المملكة العربية السعودية على استخدام الإسلام كثقل مضاد على المستوى الإقليمي في مواجهة التنظيمات القومية واليسارية، وذلك من خلال تنظيم ‘قمم إسلامية’ عززت النفوذ السعودي وتحدت دور مصر بصفتها الدولة العربية القيادية.”(1)
Hanieh, Adam. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Haymarket Books, 2013, p. 28.
مصر
في تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post) بتاريخ ٢٢ فبراير ١٩٧٧، أوضح الصحفي جيم هوغلاند بالتفصيل كيف عمل رئيس جهاز الأمن القومي السعودي ومسؤول الاتصال مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) كمال أدهم على توطيد علاقاته مع أنور السادات خلال حقبة الستينيات —بينما كان جمال عبد الناصر يسعى لتقويض الحكومة السعودية— وذلك من خلال تقديم دعم مالي خاص للسادات حين كان يشغل منصب نائب الرئيس المصري. وعقب تولي السادات الرئاسة عام ١٩٧٠ وإحباطه لمخطط انقلاب مدعوم من الاتحاد السوفيتي للإطاحة به —وهو المخطط الذي أفادت تقارير بأن الاستخبارات الأمريكية كانت قد حذرته منه— أقدم السادات فجأة على طرد آلاف المستشارين السوفيت عام ١٩٧٢، مما مهد الطريق أمام تحالف دبلوماسي استراتيجي مع واشنطن.
Hoagland, J. (1977, February 22). Hussein payments only a part. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com/archive/politics/1977/02/22/hussein-payments-only-a-part/76eba522-e6a8-47ac-a4eb-c57d1dd27d31/
فلسطين
في تقرير استخباراتي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، بعنوان ‘الفدائيون’، صدر في يناير ١٩٧١ ورُفعت عنه السرية، ورد في قسم ‘تمويل حركة فتح’:
“كانت السعودية أكبر مصدر لتمويل حركة فتح، إذ أفادت التقارير بأنها كانت تقدم ما بين ٢ و٤ ملايين دولار سنوياً. وكانت آلية جمع الأموال في المملكة تتمثل في لجنة تُسمى ‘لجنة مساعدة أسر الشهداء’، تتولى تحصيل ما يعادل اقتطاعاً إلزامياً بنسبة ٥٪ من رواتب الفلسطينيين في السعودية، و١٪ من رواتب السعوديين. ولم تكن الحكومة تقدم مساهمات رسمية، لكن الملك فيصل وأفراداً آخرين من الأسرة المالكة كانوا يقدمون مساهمات شخصية.
وقد فرض اعتماد فتح المالي على السعودية بعض القيود على حرية الحركة لدى التنظيم. فعلى سبيل المثال، بعد زيارة عرفات إلى موسكو في أوائل عام ١٩٧٠، شعر بأنه مضطر إلى زيارة السعودية لتفسير تلك الزيارة. وبحسب التقارير، انخفضت المساهمات المالية خلال الأسابيع التي أعقبت زيارته لموسكو. ودافع عرفات عن علاقات فتح بالدول الشيوعية باعتبارها ضرورية لضمان الحصول على الأسلحة الأساسية، لكنه طمأن السعوديين إلى أن فتح ظلت بعيدة عن العقيدة الاشتراكية، وأنها تُبقي العناصر اليسارية داخل تنظيماتها تحت السيطرة. وأفادت التقارير بأن السعوديين لم يطمئنوا إلى هذه التفسيرات، لكنهم لم يكونوا مستعدين آنذاك لوقف المساعدات، خشية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف النفوذ المحافظ داخل فتح. ومع ذلك، وردت في أواخر عام ١٩٧٠ عدة تقارير تفيد بأن السعودية أصبحت مستاءة بصورة متزايدة من فتح، وأنها بدأت تقلّص عمليات جمع الأموال لصالحها.”
Central Intelligence Agency. (1971, January). ESAU L: The Fedayeen (Annex to ESAU XLVIII: Fedayeen—“Men of Sacrifice”, p. 26). https://www.theblackvault.com/documents/esau-49.pdf#page=34
في برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة في ١٤ مارس ١٩٧٣، رُفعت عنها السرية، نقل السفير الأمريكي لدى السعودية نيكولاس ثاتشر تفاصيل محادثته مع الملك فيصل بن عبد العزيز بشأن الدعم السعودي لحركة فتح وعلاقتها بمنظمة أيلول الأسود:
“أضاف [الملك فيصل] أنه إذا أعلنت السعودية بصورة نهائية أنها لن تقدم أي مساعدة لفتح مجدداً، فإن ذلك سيدفع الفلسطينيين ببساطة إلى مزيد من الارتماء في أحضان الشيوعيين وغيرهم من المتطرفين. ومع ذلك، أراد الملك أن أفهم أن المساعدات السعودية لفتح ستظل متوقفة إلى أن ‘يعودوا إلى النهج الصحيح’.
وقلتُ إن حكومتي ترى أنه من بالغ الأهمية أن تستخدم السعودية جميع الوسائل المتاحة للضغط على حركة فتح للتخلي عن دعمها للإرهابيين. وردّ الملك بأن السعودية ترى أنه من بالغ الأهمية أيضاً أن تستخدم الولايات المتحدة كل نفوذها للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.
تعليق: ظل الملك هادئاً ومسترخياً طوال اللقاء. وبدا كأنه كان يتوقع أن يُعرض عليه الموقف الأمريكي بحزم وصراحة. وفي الوقت نفسه، كان حازماً بالقدر نفسه في تمسكه بالسياسة السعودية الحالية القائمة على تقييد المساعدات السعودية لفتح بعناية، دون قطع جميع الاتصالات معها من خلال إعلان التنصل منها بصورة قاطعة أو علنية.”
Thacher, N. (1973, March 14). Telegram from the Embassy in Saudi Arabia to the Department of State (Telegram 1047, Document 81, pp. 305–306). In Foreign relations of the United States, 1969–1976, Volume E–9, Part 2, Documents on the Middle East Region, 1973–1976. U.S. Department of State, Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p2/d81
اليمن
ورد في ورقة إيجاز أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية في ١٢ ديسمبر ١٩٧٧ ورفع عنها السريّة إلى ما يلي:
“ويتولى فهد، المعروف بنشاطه، مسؤولية العديد من مبادرات السياسة الخارجية السعودية، مثل السعي إلى تهدئة النزاع الجزائري المغربي حول الصحراء الإسبانية، ومحاولة إبعاد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) عن النفوذ الشيوعي من خلال تقديم مساعدات اقتصادية سعودية.”
U.S. Department of State. (1977, January 3). Briefing paper prepared in the Department of State. In Foreign relations of the United States, 1977–1980 (Vol. 18, Document 143). Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v18/d143
الصومال
وفقاً لمحضر اجتماع “لجنة مراجعة السياسات” الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ ١١ أبريل ١٩٧٧ —والذي رُفعت عنه السريّة—، لعبت السعودية دوراً محورياً كوكيل مالي وثقل إقليمي مضاد للنفوذ السوفيتي إبان الصراع في منطقة القرن الأفريقي بين الصومال وإثيوبيا المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي. وفي مسعىً لإنهاء اعتماد الصومال على الاتحاد السوفيتي دون اللجوء إلى تزويدها بأسلحة أمريكية بشكل مباشر وفوري، ارتأى صناع القرار في الولايات المتحدة أنه:
“في الوقت الراهن، سنترك للسعوديين زمام المبادرة في تقديم الأموال المخصصة للمساعدات العسكرية.”
ومن خلال تمويل صفقات شراء المعدات الدفاعية وتقديم المساعدات الاقتصادية للرئيس الصومالي سياد بري، هدفت المملكة العربية السعودية إلى انتزاع الصومال من دائرة النفوذ السوفيتي، ومواجهة النظام الماركسي في إثيوبيا، وحماية الممر الاستراتيجي للبحر الأحمر من التوسع البحري السوفيتي والنفوذ الشيوعي.
U.S. Department of State. (1977, April 11). Summary of conclusions of a Policy Review Committee meeting (Document 11). In Foreign Relations of the United States, 1977–1980, Volume XVII, Part 1, Horn of Africa (pp. 37–39). Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v17p1/d11
في برقية رُفعت عنها السريّة وصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ ١٢ يوليو ١٩٧٧، أثار السفير الأمريكي جون سي ويست مسألة العلاقات السعودية الصومالية، مستفسراً عما إذا كانت المملكة تقدم مساعدات مالية للصومال بهدف تشجيعها على قطع علاقاتها مع السوفييت. وردَّ نائب وزير الخارجية السعودي، المنصوري، موضحاً أن المملكة كانت قد أقرت —قبل فترة— برنامجاً للمساعدات الموجهة للصومال بقيمة ٤٠ مليون دولار، على أن يتم صرف المبلغ على دفعات تتراوح قيمتها بين ١٢ و١٥ مليون دولار. كما تطرقت البرقية إلى أن السعودية وضعت مسودة خطةٍ لتقديم عرض مالي أكبر بقيمة ٣٠٠ مليون دولار، يهدف إلى استمالة الصومال لقطع علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي.
U.S. Department of State. (1977, July 12). Saudi aid to Somalia (Telegram no. 1977JIDDA04809; authored by J. C. West) [Telegram]. Central Foreign Policy Files, 1973–1979 (Record Group 59); National Archives and Records Administration, College Park, MD. https://aad.archives.gov/aad/createpdf?rid=37586&dt=2532&dl=1629
وفقاً لتقرير نُشر في مجلة “تايم” (Time) الأمريكية بتاريخ ٢٨ نوفمبر ١٩٧٧:
“في أواخر شهر أغسطس، قام [الرئيس الصومالي] بري برحلته الأخيرة إلى موسكو، حيث قوبل بجفاء من قِبَل الرئيس السوفيتي ليونيد بريجنيف ورُفض طلبه للحصول على الأسلحة الثقيلة التي كان يسعى إليها. بعد ذلك، زار بري المملكة العربية السعودية، التي كان قادتها يحاولون استمالته وإبعاده عن موسكو منذ ثلاث سنوات على الأقل، وذلك في إطار استراتيجيتهم المناهضة للشيوعية والهادفة إلى تعزيز الأنظمة المعتدلة على امتداد البحر الأحمر وفي منطقة القرن الأفريقي. وقد غادر بري مدينة جدة وفي جعبته وعدٌ —بحسب التقارير— بالحصول على ٣٠٠ مليون دولار؛ وفي المقابل، يُفترض أنه تعهد للسعوديين بالتخلص من الوجود الروسي في الوقت الذي يراه مناسباً.”
Horn of Africa: Russians, go home! (1977, November 28). Time, 110(22), 38–41. https://time.com/archive/6853122/horn-of-africa-russians-go-home/
دول أخرى
تُظهر محاضر اجتماع مجلس الأمن القومي في ١١ مايو ١٩٧٦ —والتي رُفعت عنها السرية— أن وزير الخارجية هنري كيسنجر طرح استراتيجية تهدف إلى:
“تشكيل مجموعة من الدول المانحة تتعاون مع الأطراف الأفريقية المعتدلة [غير المتطرفة يسارياً] من أجل تنمية أفريقيا؛ بحيث تُوجَّه المساعدات إلى زامبيا دون موزمبيق، وإلى ساحل العاج دون مالي، مما يخلق حوافز مشجعة.”
وفي معرض تسليطه الضوء على إمكانية الاستفادة من الدعم المالي العربي لتمويل مشاريع البنية التحتية والزراعة، أشار وكيل وزارة الخارجية تشارلز روبنسون إلى أن: “السعوديين سألونا عن الدول الأفريقية الجيدة وتلك السيئة”، مما عكس استعداد المملكة العربية السعودية لمواءمة تمويلها مع الأولويات الأمريكية. وقد لخص نائب وزير الدفاع ويليام كليمنتس الميزة الأساسية التي ساهم بها السعوديون في هذا الترتيب، قائلاً: “كل ما يملكونه هو المال.”
National Security Council. (1976, May 11). Minutes of National Security Council meeting: Secretary Kissinger’s trip to Africa (Document ID 1552405) [Meeting minutes]. NSC Meeting File, Gerald R. Ford Presidential Library. https://www.fordlibrarymuseum.gov/sites/default/files/pdf_documents/library/document/0312/1552405.pdf

