وفقاً لعالم السياسة جيل كيبل، قبل أزمة حظر النفط عام ١٩٧٣، كانت الممارسات الدينية في أرجاء العالم الإسلامي “يسيطر عليها تقاليد وطنية أو محلية متجذرة في ورع عامة الناس”(١)، كما “كان الإسلام الشعبي الذي تمثله الطرق الصوفية بمثابة الرابط الاجتماعي الأساسي” بين المسلمين. وكان معظم المسلمين لا يعرفون القراءة أو الكتابة؛ حيث “عملت هذه الطرق الصوفية كجسر يوفق بين المعتقدات التقليدية المحلية —التي كان بعضها يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام— لدى الجماهير غير المتعلمة، وبين الثقافة الإسلامية القائمة على النصوص والكتب.”(٢) لكن، بعد الارتفاع الكبير في سعر النفط الذي أعقب أزمة حظر النفط عام ١٩٧٣، تمكن الوهابيون من انفاق أموال طائلة على نشر مذهبهم بين المسلمين السنة حول العالم.(٣)
المصدر:
(١) Kepel, Gilles. Jihad: The Trail of Political Islam. Harvard University Press, 2002, p. 69.
(٢) 48 .ibid., p
(٣) 70 .ibid., p
وفقاً لمحضر محادثات رفع عنه السريّة صادر عن البيت الأبيض ومؤرخ في ٣ مارس ١٩٧٥، حذّر وزير الخارجية هنري كيسنجر الرئيس جيرالد فورد من الضغط بشدة على النظام السعودي بشأن رفضه السماح بدخول أفراد عسكريين أمريكيين وموظفين في السلك الدبلوماسي من اليهود. وقد جادل كيسنجر بأن دفع الرياض لتجاوز حدود “منطقة الراحة” السياسية الخاصة بها قد يؤدي إلى زعزعة استقرار النظام الملكي وإثارة انقلاب عسكري، مما قد يسفر في نهاية المطاف عن استبدال حليف متعاون بنظام متطرف معادٍ للغرب كنظام القذافي.
المصدر: National Security Council. (1975, March 3). Memorandum of conversation: President Ford, Secretary of State Kissinger (Document ID 1552973) [Memorandum]. National Security Adviser’s Memoranda of Conversation, Gerald R. Ford Presidential Library. https://www.fordlibrarymuseum.gov/
في ٢١ سبتمبر ١٩٨٤، تناولت رسالة —رفعت عنها السريّة— بعث بها السفير الأمريكي لدى المغرب، جوزيف ف. ريد، إلى وزير الدفاع الأمريكي كاسبار واينبرغر، التداعيات الاستراتيجية لاتفاقية وجدة والوحدة التي أقامها الرئيس الليبي معمر القذافي بين ليبيا والمغرب، وتضمنت النص التالي:
“يصعب عليّ كتابة هذه الرسالة، ولكن نظراً لاهتمامك السابق بالمغرب، أشعر بأنني مدين لك بتقديم أفضل تقييمي للوضع الراهن في ضوء ‘اتفاقية وجدة’، وكذلك للتبعات طويلة الأمد لـ ‘الاتحاد’ الذي أقامه الملك الحسن مع ليبيا على العلاقات مع الولايات المتحدة. بصراحة، كان رد فعلي الأولي —بصفتي مبعوث الرئيس إلى المغرب— هو أن المعاهدة الليبية قد عرّضت للخطر، بضربة واحدة، ثلاث سنوات من التقدم المطرد في العلاقات الأمريكية المغربية؛ وهي علاقات لطالما عولت فيها على دعمك ومشورتك.
ومع ذلك، وبعد أن أتيحت لي الفرصة لمناقشة المعاهدة الليبية خلال لقاءين مطولين مع الملك الحسن، وتبادل وجهات النظر مع كل صناع القرار المغاربة تقريباً أثناء احتفالات الزفاف التي استمرت خمسة أيام لابنة الملك الكبرى، أصبحت لدي رؤية أوضح لطريقة التفكير المغربية والأهداف الكامنة وراء هذا الاتحاد غير المتوقع. لن يكون الطريق سهلاً بالنسبة لنا، ومن الواضح أن تحالف المغرب مع ليبيا قد أضر بصورة الملك الحسن التي كانت تتحسن في الولايات المتحدة. ومع ذلك، ينبغي لنا أن ندرك —كما أكد لي الملك مراراً— أن المعاهدة لا تمثل اتحاداً رسمياً أو فيدرالية، ناهيك عن كونها اندماجاً بين الدولتين. ورغم الحوار المستمر معنا بشأن ليبيا، فمن الواضح أيضاً أن الحسن والمغاربة عموماً قد قللوا من شأن عمق ردود الفعل الأمريكية.
لقد أوضحت تماماً للمسؤولين المغاربة، خلال محادثاتي هنا، موقف الولايات المتحدة المعارض لأي خطوات تضفي شرعية على النظام الليبي. إنهم يدركون موقفنا بوضوح الآن، وأعتقد أنه ينبغي لنا مراقبة التطورات عن كثب في الأشهر المقبلة. وفي حين أن هذه الفترة ليست مناسبة لإطلاق مشاريع أمريكية جديدة وكبيرة، إلا أنه يتعين علينا في الوقت نفسه العمل للحفاظ على ما بنيناه وأرسيناه في المغرب.
تظل المملكة دولة عربية معتدلة ذات موقع استراتيجي في منطقة مضطربة. وسيظل تحكمها في مضيق جبل طارق وموقعها على مسارات الطيران المؤدية إلى الخليج العربي يجعل منها شريكاً قيّماً، وإن كان شريكاً لا يمكننا اعتباره أمراً مفروغاً منه أو مضموناً بشكل مطلق. من الناحية السياسية، لا يزال المغرب يتولى رئاسة منظمات عربية وإسلامية كبرى، وسيظل بلا شك طرفاً مهماً بالنسبة للولايات المتحدة. لقد كان الملك الحسن هو من عمل خلف الكواليس للتحضير لرحلة أنور السادات التاريخية إلى القدس، وهو أيضاً من سعى —في الدار البيضاء خلال شهر يناير الماضي— لإنهاء عزلة مصر عن منظمة المؤتمر الإسلامي. ونظراً لكونه يضم أكبر جالية يهودية في العالم العربي، فقد ضرب الملك الحسن مثالاً في التعايش والوئام لمنطقته التي تشهد انقسامات؛ إذ استضاف في الرباط، خلال شهر مايو الماضي، مؤتمراً للجاليات اليهودية المغربية حضره أعضاء من الكنيست الإسرائيلي وقادة يهود من مختلف أنحاء العالم. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي يتبعها المغرب حالياً، واعتماده المتزايد على سياسات السوق الحرّ، يبشران باستقرار طويل الأمد، كما أنهما يعكسان بدقة السياسات التي نحث العالم النامي على تبنيها.
وفي ضوء هذه المصالح طويلة الأمد، أرى أنه ينبغي لنا —سواء في اتصالاتنا الشخصية مع شخصيات مغربية بارزة أو في سياستنا العامة تجاه المملكة— تحقيق توازن دقيق بين توجيه الانتقادات وبين التسليم بالأمر الواقع. فبعد توقيع المعاهدة مع ليبيا وموافقة ٩٩,٩ في المائة من السكان عليها في استفتاء وطني، سيكون من الصعب التنصل منها دون التعرض للحرج أو فقدان ماء الوجه على المدى القصير. ثمة أيضاً أسباب تكتيكية دفعت المغرب نحو ليبيا، ومن بينها:
—ممارسة الضغط على الجزائر لموازنة الاتفاقية الأخيرة المبرمة بين الجزائر وتونس وموريتانيا.
—الحصول على دعم ليبيا بشأن قضية الصحراء الغربية، والاتفاق على وقف تدفق الأسلحة السوفيتية منها إلى جبهة البوليساريو.
—احتمال تحسين الوضع الدبلوماسي للمغرب داخل منظمة الوحدة الأفريقية من خلال تحييد حلفاء القذافي (مثل إثيوبيا وبوركينا فاسو ومدغشقر وغيرها)، وتوفير منتدى عربي أو مغاربي بديل للدول الأفريقية —التي أنهكتها الأزمات— لمناقشة قضية الصحراء الغربية.
—الحصول على دعم مالي ليبي في ظل مرحلة تتسم بإجراءات تقشفية صارمة.
—إتاحة فرص عمل للمغاربة —بمن فيهم العائدون من أوروبا الذين قد يشكلون مصدر قلق— ضمن القوى العاملة الأجنبية في ليبيا، التي يبلغ قوامها نصف مليون عامل.
—تعزيز القدرة التفاوضية للمغرب لإبرام اتفاقيات لاحقة مع كل من الجزائر والمملكة العربية السعودية وأطراف أخرى.
بينما يوازن الحسن بين هذه المزايا المحتملة وردود الفعل السلبية من جانب الولايات المتحدة وأطراف أخرى، فإنني أتوقع أن تشهد الوحدة مع ليبيا مرحلة من التجربة والخطأ. وعلى المدى الأبعد، أؤمن بأن ‘الاتحادات’ السياسية —بل وحتى القذافي نفسه— هي ظواهر عابرة في العالم العربي، في حين أن الروابط التي أُرسيت على مدى قرنين من الزمان بين الولايات المتحدة والمغرب من المرجح أن تكون أكثر ديمومة ورسوخاً.
لقد أردتُ على وجه الخصوص أن أشارككم هذه الأفكار الأولية، وأن أعرب عن ثقتي في دعمكم للمصالح الأمريكية الجوهرية في المغرب، وفي استمرار اهتمامكم خلال المرحلة الصعبة المقبلة.”
في ٢٢ أكتوبر ١٩٨٤، وفي معرض رده على السفير الأمريكي لدى المغرب جوزيف ف. ريد، أشار وزير الدفاع الأمريكي كاسبار واينبرغر إلى ما يلي:
“أشكركم على تقييمكم لاتفاقية وجدة. تعكف مجموعة تضم ممثلين عن عدة وكالات حكومية على دراسة سياستنا المستقبلية في المنطقة، وذلك لتحديد القيود أو العقبات التي قد يفرضها ’اتحاد وجدة‘ على الخطط والبرامج الحالية أو المستقبلية. ومن جانبي، آمل أن ينتهي هذا ’الاتحاد‘ في القريب العاجل.”
المصدر: Reed, J. W. (1984). Letter from the Ambassador to Morocco (Reed) to Secretary of Defense Weinberger (Document 40). In C. Tudda (Ed.), Foreign Relations of the United States, 1981–1988, Volume XXIV, North Africa. United States Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1981-88v24/d40

