سياسات تدخّلية في الصناعة والتجارة والتكنولوجيا من أجل النهوض بالصناعات الناشئة
في كتابه (ركل السلم: استراتيجية التنمية من منظور تاريخي)، يستعرض أستاذ الاقتصاد المتخصص في اقتصاد التنمية والاقتصاد السياسي والسياسات الصناعية، ها-جون تشانغ، الذي درّس في جامعة كامبريدج ويعمل حاليًا أستاذًا باحثًا في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، “السياسات التي استخدمتها البلدان المتقدمة حاليًا خلال مراحل تطورها، من إنجلترا في القرن الرابع عشر وصولًا إلى البلدان الصناعية الجديدة في شرق آسيا في أواخر القرن العشرين”. ويخلص من دراسته التاريخية إلى أن الدول التي نجحت في اللحاق بالقوى الاقتصادية المتقدمة اعتمدت على تدخل الدولة في توجيه التنمية الصناعية والتجارية والتكنولوجية، بما في ذلك حماية الصناعات الناشئة ودعمها. وقد اختلفت الوسائل المستخدمة باختلاف الظروف الاقتصادية والتكنولوجية لكل بلد، ولم تقتصر على فرض الرسوم الجمركية، بل شملت مجموعة واسعة من السياسات التي تطورت مع مرور الزمن. ويرى تشانغ أن هذه التجارب تؤكد ما لاحظه الاقتصادي الألماني فريدريش ليست قبل نحو ١٥٠ عامًا، عندما كانت ألمانيا والولايات المتحدة لا تزالان تسعيان إلى اللحاق بالقوة الصناعية البريطانية.
ويوضح تشانغ أن الانتقال إلى الصناعات والأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة الأعلى، وهو عنصر أساسي في التنمية الاقتصادية، لا يحدث “طبيعيًا”. فالمستثمرون قد لا يحصلون على كامل المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي تحققها استثماراتهم في الصناعات الناشئة، بينما يتحملون مخاطرها المباشرة. ولذلك، تحتاج الدول إلى آليات لتوزيع هذه المخاطر وتشجيع الاستثمار في القطاعات الجديدة. ويمكن تحقيق ذلك عبر التدخل الحكومي المباشر.
ويلخص تشانغ نتائج دراسته بقوله:
“تبدو الصورة التي تتكشف من مسحنا التاريخي واضحة بما فيه الكفاية. ففي سعيها إلى اللحاق بالاقتصادات الرائدة، استخدمت البلدان المتقدمة حاليًا سياسات تدخّلية في الصناعة والتجارة والتكنولوجيا من أجل النهوض بصناعاتها الناشئة. وربما اختلفت أشكال هذه السياسات وأوجه التركيز فيها من بلد إلى آخر، لكن لا يمكن إنكار أن هذه البلدان استخدمت مثل هذه السياسات بصورة نشطة.”
ويشير تشانغ أيضًا إلى أن كثيرًا من الدول المتقدمة حاليًا فرضت، خلال مراحل تصنيعها، مستويات من الحماية الصناعية كانت أعلى نسبيًا من تلك التي تطبقها الدول النامية المعاصرة، عند مراعاة الفجوة في الإنتاجية بينها وبين الاقتصادات الأكثر تقدمًا. وباستثناءات محدودة، من بينها هولندا وسويسرا، لم تحقق هذه الدول تقدمها الاقتصادي بالاعتماد على التجارة الحرة وغياب التدخل الحكومي. ولذلك، يرى تشانغ أن حزمة “السياسات الجيدة” التي تروج لها الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية، والقائمة على تحرير التجارة وتقليص التدخل الحكومي، تتعارض مع التجارب التاريخية التي مكّنت معظم تلك الدول من تحقيق التنمية الصناعية.
وينتقد تشانغ مطالبة الدول النامية بالامتناع عن استخدام الأدوات الاقتصادية نفسها التي استعانت بها الدول الغنية خلال مراحل تطورها. ويقارن هذه الممارسة بسياسة بريطانيا في القرن التاسع عشر، عندما شجعت الدول الأخرى على تبني التجارة الحرة بعدما رسخت تفوقها الصناعي، رغم اعتمادها سابقًا على السياسات الحمائية. كما يرى أن القيود التي تفرضها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على السياسات الصناعية للدول النامية تمثل امتدادًا حديثًا، في إطار متعدد الأطراف، لما عرف تاريخيًا باسم “المعاهدات غير المتكافئة” التي فرضتها القوى الكبرى على دول أقل قوة. ويخلص إلى أن الدول المتقدمة تمارس بذلك سياسة “ركل السلم” الذي استخدمته للوصول إلى مستوياتها الحالية من التقدم الاقتصادي، بهدف حرمان الدول النامية من اتباع المسار نفسه.
Chang, H.-J. (2002). Kicking away the ladder: Development strategy in historical perspective (pp. 125–128). Anthem Press.
حجة الصناعات الوليدة
في تقرير قدّمه وزير الخزانة الأمريكي ألكسندر هاملتون إلى مجلس النواب في ٥ ديسمبر ١٧٩١، دافع عن ضرورة تدخل الدولة لحماية الصناعات الناشئة من منافسة الصناعات الأجنبية الأكثر تطوراً، وكتب:
“إن التفوق الذي تتمتع به الدول التي سبقت غيرها إلى إنشاء فرع من فروع الصناعة وتطويره وإتقانه، يشكّل عقبة أشد خطورة من العقبات الأخرى التي سبق ذكرها أمام إدخال ذلك الفرع الصناعي إلى بلد لم يكن موجوداً فيه من قبل.
ففي معظم الحالات، يستحيل إقامة منافسة على قدم المساواة، سواء من حيث الجودة أو السعر، بين المنشآت الصناعية حديثة النشأة في بلد ما، والمنشآت الصناعية التي بلغت مرحلة متقدمة من التطور والنضج في بلد آخر. ولا بد أن يكون التفاوت في الجودة أو السعر، أو في كليهما، كبيراً إلى درجة تحول دون نجاح المنافسة، ما لم تتوافر مساعدة حكومية استثنائية وحماية من الدولة.
لكن العقبة الأكبر على الإطلاق أمام النجاح في إنشاء فرع صناعي جديد في بلد لم يعرفه من قبل، تتمثل، في الحالات التي ينطبق عليها ذلك، في الإعانات والمكافآت وأشكال الدعم الأخرى التي تقدمها الدول التي سبقت إلى إنشاء الصناعات المراد محاكاتها.
فمن المعروف أن بعض الدول تقدم إعانات لتصدير سلع معينة، لتمكين منتجيها من بيعها بأسعار أدنى من أسعار جميع منافسيهم في البلدان التي تُصدَّر إليها تلك السلع، وإقصائهم من الأسواق. وسنورد أمثلة محددة على ذلك في مواضع لاحقة من هذا التقرير.
وهكذا، فإن القائمين على إنشاء صناعة جديدة لا يواجهون العوائق الطبيعية الملازمة لأي مشروع ناشئ فحسب، بل يواجهون أيضاً المنح والمكافآت المالية التي تقدمها الحكومات الأخرى لمنتجيها.
ومن الواضح أن تمكين هؤلاء من المنافسة بنجاح يستلزم بالضرورة تدخل حكومتهم وتقديم الدعم لهم.”
Hamilton, A. (1791, December 5). Alexander Hamilton’s final version of the report on the subject of manufactures [Report]. Founders Online, National Archives. (المقطع المقتبس منشور أيضاً في American State Papers: Finance, Vol. 1, p. 129). https://founders.archives.gov/documents/Hamilton/01-10-02-0001-0007
أنواع الإجراءات الحمائية
في تقرير رسمي صادر بتاريخ ٣١ مارس ٢٠٠٣، حدّد مكتب الممثل التجاري الأمريكي السياسات والإجراءات الحكومية الأجنبية التي تعدّها الولايات المتحدة حواجز أمام صادراتها وتجارتها واستثماراتها. وشملت هذه السياسات حماية المنتجات المحلية من المنافسة الأجنبية، وتفضيل الشركات الوطنية في المشتريات الحكومية، ودعم الصادرات، وفرض شروط على الاستثمارات الأجنبية. وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص هذه الحواجز أو إزالتها، حتى عندما تكون متوافقة مع الاتفاقيات التجارية الدولية. وجاء في التقرير:
“يستند هذا التقرير إلى معلومات جمعها مكتب الممثل التجاري الأمريكي ووزارتا التجارة والزراعة الأمريكيتان ووكالات حكومية أمريكية أخرى، واستُكملت بمعلومات قُدّمت استجابةً لإعلان نُشر في السجل الفيدرالي، وكذلك بمعلومات من أعضاء اللجان الاستشارية التجارية التابعة للقطاع الخاص والسفارات الأمريكية في الخارج.
يصعب وضع تعريف ثابت للحواجز التجارية، لكن يمكن تعريفها عموماً بأنها القوانين أو اللوائح أو السياسات أو الممارسات الحكومية التي تحمي المنتجات المحلية من المنافسة الأجنبية، أو تحفّز بصورة مصطنعة صادرات منتجات محلية معينة.
ويصنّف هذا التقرير الحواجز التجارية الأجنبية ضمن عشر فئات مختلفة، تشمل التدابير والسياسات التي تفرضها الحكومات والتي تقيّد أو تمنع أو تعرقل التبادل الدولي للسلع والخدمات، وهي:
١. سياسات الاستيراد، مثل الرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم المفروضة على الواردات، والقيود الكمية، وتراخيص الاستيراد، والعوائق الجمركية.
٢. المعايير والفحوص ووضع الملصقات وشهادات المطابقة، بما في ذلك التطبيق المفرط في التقييد للمعايير الصحية والصحة النباتية والتدابير البيئية، ورفض قبول إقرار المصنّعين الأمريكيين بأنفسهم بمطابقة منتجاتهم للمعايير الأجنبية.
٣. المشتريات الحكومية، مثل سياسات ‘اشترِ المنتج الوطني’ والمناقصات المغلقة.
٤. دعم الصادرات، مثل تمويل الصادرات بشروط تفضيلية، ودعم الصادرات الزراعية الذي يحل محل الصادرات الأمريكية في أسواق البلدان الأخرى.
٥. ضعف حماية حقوق الملكية الفكرية، مثل عدم كفاية أنظمة حماية براءات الاختراع وحقوق النشر والعلامات التجارية.
٦. الحواجز أمام تجارة الخدمات، مثل القيود المفروضة على نطاق الخدمات المالية التي تستطيع المؤسسات المالية الأجنبية تقديمها، وتنظيم تدفقات البيانات الدولية، والقيود المفروضة على استخدام خدمات معالجة البيانات الأجنبية.
٧. الحواجز أمام الاستثمار، مثل القيود المفروضة على مشاركة رأس المال الأجنبي، وعلى الوصول إلى برامج البحث والتطوير المموّلة من الحكومات الأجنبية، ومتطلبات المحتوى المحلي والأداء التصديري، والقيود المفروضة على تحويل الأرباح ورؤوس الأموال.
٨. الممارسات المناهضة للمنافسة ذات الآثار التجارية التي تتسامح معها الحكومات الأجنبية، بما في ذلك الأنشطة المناهضة للمنافسة التي تمارسها الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة، سواء في قطاع الخدمات أو السلع، والتي تقيّد بيع المنتجات الأمريكية إلى أي شركة، وليس فقط إلى الشركات الأجنبية التي تواصل ممارسة تلك الأنشطة.
٩. القيود التجارية التي تؤثر في التجارة الإلكترونية، مثل التدابير الجمركية وغير الجمركية، واللوائح والمعايير المرهقة والتمييزية، والضرائب التمييزية.
١٠. الحواجز الأخرى، وهي الحواجز التي تشمل أكثر من فئة واحدة، مثل الرشوة والفساد، أو التي تؤثر في قطاع واحد بعينه.
يشمل تقرير التقديرات التجارية الوطنية الحواجز المهمة، سواء كانت متوافقة مع قواعد التجارة الدولية أم مخالفة لها. فالعديد من الحواجز أمام الصادرات الأمريكية تتوافق مع الاتفاقيات التجارية الدولية القائمة.
فعلى سبيل المثال، تُعدّ الرسوم الجمركية وسيلة مقبولة للحماية بموجب الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات). وحتى الرسوم الجمركية المرتفعة جداً لا تُعدّ انتهاكاً للقواعد الدولية، ما لم يكن البلد قد التزم بسقف جمركي محدد لا يجوز تجاوزه.
أما في الحالات التي لا تتوافق فيها التدابير مع القواعد الدولية، فيمكن اتخاذ إجراءات ضدها بموجب القانون التجاري الأمريكي ومن خلال منظمة التجارة العالمية.”
Office of the United States Trade Representative. (2003, March 31). 2003 national trade estimate report on foreign trade barriers (pp. v–vi). https://ustr.gov/archive/assets/Document_Library/Reports_Publications/2003/2003_NTE_Report/asset_upload_file962_6173.pdf

