يذكر الصحفي والمراسل الأجنبي الأمريكي فيليب بونوسكي، في كتابه (Washington’s Secret War Against Afghanistan)، أن معسكرات لتدريب المجاهدين المناهضين لثورة ثور الأفغانية كانت تعمل في باكستان قبل عام ١٩٧٨، وذلك بدعم نشط من رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق ذو الفقار علي بوتو ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA):
“في الواقع، أشار العديد من المراسلين الأوروبيين وبعض المراسلين الآسيويين مراراً وتكراراً إلى أن معسكرات تدريب القوى المعادية للثورة بهدف القيام بعمليات عسكرية لم تكن موجودة في باكستان قبل عام ١٩٧٨ فحسب، بل كانت تحظى أيضاً بدعم نشط من بوتو، الذي كان يتمتع آنذاك برضا وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وقد وردت هذه الأدلة على لسان مراسلين من صحف ومجلات مثل ‘لو فيغارو’، و’ديلي تلغراف’، و’ذا إيكونوميست’، و’ليبراسيون’ الفرنسية، و’لو بوان’، و’تايمز أوف إنديا’، وغيرها. لقد رصد هؤلاء المراسلون الأنشطة الأمريكية في باكستان بمنظور محايد، كما رصدوا لاحقاً أنشطة أجهزة استخبارات أخرى، صينية وإسرائيلية ومصرية وغيرها، سواء كانت سرية أو شبه علنية. وبشكل غير مقصود أو ربما على مضض —بينما فعلها آخرون عن قصد— كشف هؤلاء المراسلون النقاب عما كان يجري قبل ٢٧ ديسمبر ١٩٧٩؛ وهو التاريخ الذي وصفه كارتر لاحقاً بأنه اليوم الذي تسبب فيه الروس في خلق ‘أكبر تهديد للسلام منذ الحرب العالمية الثانية’. (انظر: ‘Afghanistan: A Short Calendar of Counterrevolution’، بقلم أندرو روثستين، في مجلة “بوليتيكال أفيرز” (Political Affairs)، عدد يوليو ١٩٨٠).”
Bonosky, Phillip. Washington’s Secret War Against Afghanistan. International Publishers, 1985, p. 61.
وفقاً لوثيقة سرية رُفعت عنها السرية، أعدّتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في ٥ مارس ١٩٧٩، قبل التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان:
“تتواصل وكالة الاستخبارات المركزية مع عدد من الأفغان المقيمين في الخارج، الذين يمكن أن يعملوا وسطاء لنقل الأموال إلى المتمردين. ويمكن استخدام هذه الأموال لشراء الأسلحة والإمدادات وغيرها، وفقاً لما يراه المعارضون مناسباً. ونظراً إلى عدم ظهور قيادة عسكرية موحدة حتى الآن، فإننا ندرس، على الأقل في البداية، تقديم مبالغ صغيرة نسبياً إلى عدة مجموعات، ثم تقييم أيٍّ منها يستخدم الأموال بأكبر قدر من الفعالية.” [...]
“وبافتراض نجاحهم في نهاية المطاف في إسقاط حكومة جمهورية أفغانستان الديمقراطية، فإن مساهمتنا في هذه العملية ينبغي أن تمنحنا قدراً من النفوذ على الحكومة الأفغانية التي ستنشأ لاحقاً.”
U.S. Central Intelligence Agency. (1979, March). Paper prepared in the Central Intelligence Agency (Document 45, pp. 126–127). Foreign Relations of the United States, 1977–1980, Volume XII, Afghanistan. Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v12/d45
في مذكراته التي يستعرض فيها عمليات الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب الباردة، أكد روبرت غيتس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووزير الدفاع الأسبق، أن تقديم المساعدات السرية لشبكات المجاهدين الأفغان بدأ قبل الغزو السوفيتي بنحو ستة أشهر:
“عُقد اجتماع [اللجنة التنسيقية الخاصة] أخيراً في ٣ يوليو ١٩٧٩، وقبل الغزو السوفيتي لأفغانستان بنحو ستة أشهر، وقّع جيمي كارتر أول قرار رسمي (أمر رئاسي) لتقديم الدعم السري للمجاهدين. وقد نصّ القرار على دعم الأنشطة الدعائية للمتمردين وغيرها من العمليات النفسية داخل أفغانستان، وتوفير سبل الوصول إلى الشعب الأفغاني عبر الإذاعة باستخدام مرافق في دول ثالثة، بالإضافة إلى تقديم الدعم للمتمردين الأفغان —سواء بشكل مباشر أو عبر دول ثالثة— على شكل مبالغ نقدية أو إمدادات غير عسكرية.”
Gates, Robert M. From the Shadows: The Ultimate Insider’s Story of Five Presidents and How They Won the Cold War. Touchstone, 1997, p. 146.
في مقال نشرته المجلة الشهرية الفرنسية “لوموند ديبلوماتيك” (Le Monde diplomatique) في سبتمبر ٢٠٢١، والذي تضمن مقتطفات من مقابلة أجراها الصحفي فينسنت جوفيرت لصالح مجلة “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) في يناير ١٩٩٨، صرّح مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، زبيغنيو بريجنسكي، قائلاً:
“وفقاً للرواية الرسمية للتاريخ، بدأت مساعدات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) للمجاهدين في وقت ما من عام ١٩٨٠، أي بعد غزو الجيش السوفيتي لأفغانستان في ٢٤ ديسمبر ١٩٧٩. لكن الحقيقة —التي ظلت طي الكتمان حتى الآن— مختلفة تماماً؛ فقد وقّع الرئيس كارتر في الثالث من يوليو ١٩٧٩ أول توجيه بشأن تقديم مساعدات سرية لمعارضي النظام الموالي للسوفييت في كابول. وفي ذلك اليوم، كتبت مذكرة للرئيس أوضحت فيها أن هذه المساعدات ستؤدي إلى تدخل عسكري سوفيتي.”
وعندما سُئل عما إذا كان يشعر بأي ندم حيال تلك العملية السرية، لم يُبدِ بريجنسكي أي ندم على الإطلاق، بل قال:
“ندم على ماذا؟ لقد كانت هذه العملية السرية فكرة ممتازة؛ فقد نجحت في استدراج الروس إلى الفخ الأفغاني، وتريد مني أن أندم على ذلك؟ في اليوم الذي عبر فيه السوفييت الحدود رسمياً، كتبت للرئيس كارتر ما معناه: ’لدينا الآن فرصة لنمنح الاتحاد السوفيتي نسخته الخاصة من حرب فيتنام‘. وبالفعل، اضطرت موسكو لخوض حرب استمرت قرابة عشر سنوات، كانت فوق طاقة النظام، وهو صراع أدى إلى تحطيم الروح المعنوية، وفي نهاية المطاف، إلى انهيار الإمبراطورية السوفيتية.”
وحين وُوجّه بسؤال حول العواقب طويلة المدى لتمكين المتطرفين الإسلاميين وتزويدهم بالسلاح، وضع بريجنسكي هذه المقايضة في سياق جيوسياسي أوسع، قائلاً:
“ما هو الأكثر أهمية في المسار العام للتاريخ العالمي؟ حركة طالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفيتية؟ بضعة متطرفين إسلاميين أم تحرير أوروبا الوسطى ونهاية الحرب الباردة؟”
Brzezinski, Z. (2021). [Excerpts from January 1998 Le Nouvel Observateur interview by Vincent Jauvert]. In Les liens occultes entre Washington et les islamistes [Special feature]. Le Monde diplomatique, (September 2021). https://www.monde-diplomatique.fr/2021/09/A/63447
وفقاً لمذكرة سرية رُفعت عنها السرية، مؤرخة في ٥ نوفمبر ١٩٧٩، أرسلها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ستانسفيلد تيرنر، إلى مستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي، بشأن التعاون مع السعودية وباكستان لدعم المجاهدين الأفغان ضد الحكومة الأفغانية:
“الرأي: أعتقد أننا ضغطنا على السعوديين إلى أقصى حد ممكن في هذه المرحلة. يفتقر السعوديون إلى قدرات استخباراتية عامة، ولذلك فإن ارتباكهم مفهوم. وكما هو الحال في مجالات عديدة أخرى، سيكون من الضروري أن نأخذ بأيدي السعوديين ونرشدهم خطوة بخطوة حتى يتخذوا قراراً حاسماً.
ومع ذلك، يبدو أن السعوديين مستعدون لتقديم الموارد بمجرد أن نقدم نحن التزاماً حاسماً. ولذلك، أقترح توقيع التفويض، وأن يُؤذن لنا بإبلاغ السعوديين بأننا سنقدم [المبلغ لم تُرفع عنه السرية] (بعد خصم المبلغ المخصص لمعدات الاتصالات)، وأننا نتوقع منهم تقديم مبلغ لا يقل عن ذلك.
وسنعمل بعد ذلك معهم ومع الباكستانيين على تقييم قدرات المجموعات المختلفة، وتحديد مستوى الدعم الذي ينبغي تقديمه لكل منها.”
U.S. Department of State, Office of the Historian. (1979, November 5). Memorandum from Director of Central Intelligence Turner to the President’s Assistant for National Security Affairs (Brzezinski) (Document 80). In Foreign Relations of the United States, 1977–1980, Afghanistan (Vol. 12). https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v12/d80
وفقاً لمذكرة سرية رُفعت عنها السرية، مؤرخة في ٢٦ فبراير ١٩٨٠، أرسلها توماس ثورنتون، عضو مجلس الأمن القومي الأمريكي، إلى مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي، حذّر ثورنتون من دعم الجماعات الإسلامية الأفغانية دون تحفظ، فيما أكد بريجنسكي أهمية تعبئة القوى الإسلامية في أفغانستان وخارجها:
“ينبغي أن نتوخى الحذر في الإيحاء بتأييد غير مشروط للقوى الإسلامية في أفغانستان. أولاً، بعض هذه الجماعات ظلامية في أحسن الأحوال، ومعظمها رجعي بالمعنى الحرفي للكلمة. ولديها بعض الجوانب النبيلة، ولا يمكن أن يكون كل من يكره الروس سيئاً تماماً؛ ومع ذلك، فهي في مجملها مجموعة منفّرة إلى حد كبير. وإنني أرتعد لمجرد التفكير في مشكلات حقوق الإنسان التي سنواجهها إذا وصلت إلى السلطة. ثانياً، إننا، من خلال التشديد على الجانب الإسلامي، نثير مخاوف الهنود، وربما السوفييت أيضاً، على نحو قد يأتي بنتائج عكسية.” [...]
وتوضح الحاشية الثالثة للوثيقة أن بريجنسكي وضع خطاً عمودياً في الهامش الأيسر بجانب فقرة أخرى من المذكرة، وكتب في أسفلها التعليق التالي:
“‘هذا نصف القضية في الوقت الراهن. المهم هو تعبئة القوى الإسلامية هناك وفي أماكن أخرى.’”
Thornton, T. (1980, February 26). Memorandum from Thomas Thornton of the National Security Council Staff to the President’s Assistant for National Security Affairs (Brzezinski) (Document 219, footnote 3). Foreign Relations of the United States, 1977–1980, Volume XII, Afghanistan. Office of the Historian, U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v12/d219
وفقاً لمذكرة إحاطة سرية رُفعت عنها السرية، مؤرخة في ٩ مايو ١٩٨٠، من مدير مكتب الاستخبارات والبحوث بوزارة الخارجية الأمريكية، رونالد سبيرز، إلى وزير الخارجية إدموند موسكي، بشأن برنامج العمليات السرية الأمريكية في أفغانستان:
“في ٢٨ ديسمبر ١٩٧٩، أي بعد يومين من دخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان، وسّعنا برنامج العمليات السرية الأمريكية الذي كان قد بدأ بالفعل هناك، ليشمل للمرة الأولى تزويد المتمردين بأسلحة فتاكة.” [...]
“يتولى أفراد باكستانيون مهمة التدريب، وقد تلقوا، عند الضرورة، تدريباً خاصاً على أيدي أمريكيين في السعودية. ويتولى رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في إسلام آباد تنسيق جميع التفاصيل العملياتية مع الاستخبارات الباكستانية والرئيس ضياء الحق.”
U.S. Department of State. (1980, May 9). Briefing memorandum from the Director of the Bureau of Intelligence and Research (Spiers) to Secretary of State Muskie (Document 267, pp. 715–716). Foreign Relations of the United States, 1977–1980, Volume XII, Afghanistan. Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1977-80v12/d267
في تقرير استقصائي نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post) بتاريخ ١٩ يوليو ١٩٩٢، أوضح الصحفيان ستيف كول وديفيد بي. أوتاواي نطاق الدعم السري —الأمريكي والدولي— للمجاهدين الأفغان خلال الحرب الباردة، مشيرين إلى ما يلي:
“وفقاً لمسؤولين أمريكيين، قدمت الولايات المتحدة للمجاهدين —خلال ثمانينيات القرن العشرين— ما يزيد عن ملياري دولار في صورة أسلحة وأموال. وقد كان ذلك أكبر برنامج للعمليات السرية منذ الحرب العالمية الثانية.”
كما ذكر التقرير أن المملكة العربية السعودية:
“وافقت على تقديم مساهمات مالية للمجاهدين توازي في قيمتها المساهمات الأمريكية، وقامت بتوزيع الأموال مباشرة على جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI).”
Coll, S., & Ottaway, D. B. (1992, July 19). Anatomy of a victory: CIA’s covert Afghan war. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com/archive/politics/1992/07/19/anatomy-of-a-victory-cias-covert-afghan-war/1bd10b14-a0cc-441c-99cc-d2b5d1ba6e2d/
وفقاً لتقرير لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات ١١ سبتمبر، الصادر في ٢٢ يوليو ٢٠٠٤، ساهم ممولون سعوديون وغيرهم في تمويل أسامة بن لادن عبر شبكة “السلسلة الذهبية”، فيما وفّرت حركة طالبان لتنظيم القاعدة ملاذاً للتدريب والتسليح والتخطيط للعمليات الإرهابية:
“تمتع بن لادن في نهاية المطاف بوضع مالي قوي في أفغانستان، بفضل ممولين سعوديين وغيرهم من المرتبطين بشبكة ‘السلسلة الذهبية’. ومن خلال علاقته بالملا عمر، وما جلبته هذه العلاقة من أموال ومنافع أخرى لحركة طالبان، تمكن بن لادن من تجاوز القيود المفروضة عليه؛ إذ كان الملا عمر يقف إلى جانبه حتى عندما كان قادة آخرون في طالبان يثيرون اعتراضات.
وبدا أن بن لادن يتمتع في أفغانستان بحرية حركة لم تكن متاحة له في السودان. فقد كان أعضاء تنظيم القاعدة يستطيعون التنقل بحرية داخل البلاد، والدخول إليها والخروج منها دون تأشيرات أو أي إجراءات للهجرة، وشراء المركبات والأسلحة واستيرادها، واستخدام لوحات تسجيل رسمية تابعة لوزارة الدفاع الأفغانية. كما استخدم تنظيم القاعدة شركة الخطوط الجوية الأفغانية الحكومية «أريانا» لنقل الأموال إلى البلاد.
وبدا أن طالبان فتحت أبواب أفغانستان أمام كل من أراد القدوم للتدرب في المعسكرات. وقد وفّر التحالف مع طالبان لتنظيم القاعدة ملاذاً لتدريب المقاتلين والإرهابيين وتلقينهم الأفكار، واستيراد الأسلحة، وإقامة علاقات مع جماعات وقادة جهاديين آخرين، والتخطيط لعمليات إرهابية وتوفير العناصر اللازمة لتنفيذها.
وبينما احتفظ بن لادن بدور ضيافة ومعسكرات خاصة بتنظيم القاعدة لفرز المجندين وتدريبهم، فقد قدّم أيضاً الدعم واستفاد من شبكة واسعة من هذه المنشآت في أفغانستان، كانت متاحة للشبكة العالمية للحركات الإسلامية.
وقدّرت الاستخبارات الأمريكية العدد الإجمالي للمقاتلين الذين تلقوا تدريباً في المعسكرات المدعومة من بن لادن في أفغانستان، من عام ١٩٩٦ وحتى هجمات ١١ سبتمبر، بما يتراوح بين ١٠ آلاف و٢٠ ألف مقاتل.”
National Commission on Terrorist Attacks Upon the United States. (2004, July 22). The 9/11 Commission report (Chapter 2, Section 2.5). https://9-11commission.gov/report/911Report_Ch2.htm
في شهادة أدلت بها أمام اللجنة الفرعية المعنية بوزارة الخارجية والعمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة، التابعة للجنة المخصصات في مجلس النواب، وذلك يوم الخميس الموافق ٢٣ أبريل ٢٠٠٩، صرّحت وزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كلينتون، بما يلي:
“لدينا أيضاً تاريخ من الدخول والخروج المتكرر من باكستان. لنستحضر هنا حقيقة أن الأشخاص الذين نحاربهم اليوم، كنا نحن من موّلهم قبل عشرين عاماً. وقد فعلنا ذلك لأننا كنا عالقين في صراع مع الاتحاد السوفيتي؛ فقد غزا السوفييت أفغانستان، ولم نكن نريدهم أن يسيطروا على آسيا الوسطى، فبادرنا بالتحرك. كان ذلك في عهد الرئيس ريغان، وبالتعاون مع الكونغرس —الذي كان يقوده الديمقراطيون حينها— حيث رأوا أنها فكرة جيدة؛ فقرروا التعامل مع جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI) والجيش الباكستاني، وتجنيد ‘المجاهدين’ —بمن فيهم أفراد جاؤوا من المملكة العربية السعودية وأماكن أخرى، حاملين معهم نسختهم الوهابية من الإسلام— بهدف هزيمة الاتحاد السوفيتي. وماذا كانت النتيجة؟ انسحب السوفييت، وتكبدوا خسائر بمليارات الدولارات، مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.
إذن، يمكن القول —بمنطق قوي— إن ذلك لم يكن استثماراً سيئاً لإنهاء الاتحاد السوفيتي، لكن علينا أن نكون حذرين مما نزرعه، لأننا سنحصد ما زرعناه في نهاية المطاف.
بعد ذلك، غادرنا باكستان، قائلين لهم: ‘حسناً، تعاملوا أنتم مع صواريخ ‘ستينغر’ التي تركناها في كل مكان في بلادكم، وتعاملوا مع الألغام المزروعة على طول الحدود’. بل أكثر من ذلك، قطعنا علاقاتنا بهم وفرضنا عليهم عقوبات. توقفنا عن التعامل مع الجيش الباكستاني وجهاز استخباراته، واليوم نحاول تعويض كل ذلك الوقت الضائع.
إنها مجموعة معقدة للغاية من القضايا المترابطة. صحيح أنه يمكننا توجيه أصابع الاتهام إلى الباكستانيين —وهو ما فعلته أنا شخصياً بالأمس، وبكل صراحة، كان ذلك مبرراً، إذ نتساءل: لماذا لا يتحركون لمواجهة هؤلاء الأشخاص؟— لكن المشكلات التي نواجهها اليوم، نحن نتحمل —إلى حد ما— مسؤولية المساهمة في خلقها.”
U.S. House of Representatives, Committee on Appropriations, Subcommittee on State, Foreign Operations, and Related Programs. (2010). State, foreign operations, and related programs appropriations for 2010: Hearings before a subcommittee of the Committee on Appropriations, House of Representatives, One Hundred Eleventh Congress, first session (Part 5). U.S. Government Printing Office. https://www.govinfo.gov/content/pkg/CHRG-111hhrg55951/html/CHRG-111hhrg55951.htm
في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) في ٢٣ يناير ٢٠١٦، استعرض الصحفيان مارك مازيتي ومات أبوزو التعاون السري بين الولايات المتحدة والسعودية في دعم مقاتلي المعارضة السورية الذين كانوا يقاتلون الحكومة التي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي.
وأوضح التقرير أن الرئيس باراك أوباما أصدر عام ٢٠١٣ تفويضاً سرياً لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتسليح مقاتلي المعارضة السورية ضمن برنامج سري حمل الاسم الرمزي ‘تيمبر سيكامور’ (Timber Sycamore)، بمشاركة السعودية في تقديم الدعم المالي والعسكري. وذكر الصحفيان:
“وبموجب هذا الاتفاق، وفقاً لما ذكره مسؤولون حاليون وسابقون في الإدارة الأمريكية، يقدم السعوديون الأسلحة ومبالغ مالية ضخمة، بينما تتولى وكالة الاستخبارات المركزية قيادة عملية تدريب مقاتلي المعارضة على استخدام بنادق الهجوم من طراز كلاشينكوف (AK-47) والصواريخ المضادة للدبابات.”
وأوضح الصحفيان أيضاً أن الدعم الأمريكي لمقاتلي المعارضة السورية جاء في إطار شراكة استخباراتية امتدت لعقود بين الولايات المتحدة والسعودية، واستمرت خلال فضيحة إيران–كونترا، ودعم المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي، والصراعات بالوكالة في أفريقيا. وأشارا إلى أن البلدين كانا ينسقان العمليات السرية بصورة مباشرة في بعض الحالات، بينما كانت السعودية تموّل العمليات الأمريكية السرية في حالات أخرى. وجاء في التقرير:
“في بعض الأحيان، كما في سوريا، عمل البلدان بالتنسيق فيما بينهما. وفي حالات أخرى، اكتفت السعودية بتحرير الشيكات لتمويل العمليات السرية الأمريكية.”
Mazzetti, Mark, and Matt Apuzzo. “U.S. Relies Heavily on Saudi Money to Support Syrian Rebels.” The New York Times, 23 Jan. 2016, https://www.nytimes.com/2016/01/24/world/middleeast/us-relies-heavily-on-saudi-money-to-support-syrian-rebels.html.
أوضح تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) في ٢ أغسطس ٢٠١٧ أن التقدم الميداني للجماعات الإسلامية المسلحة جاء نتيجة لتسليح المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والسعودية لهم، قبل أن يقلب التدخل العسكري الروسي ميزان القوى لصالح الحكومة السورية. جاء في التقرير:
“بدأ البرنامج السري —الذي أُطلق عليه الاسم الرمزي “تيمبر سيكامور” (Timber Sycamore)— ببطء، ولكن بحلول عام ٢٠١٥ كانت جماعات المعارضة المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) قد أحرزت تقدماً كبيراً ضد القوات السورية، وتوغلت في مناطق بالبلاد كانت تُعتبر لفترة طويلة معاقل للحكومة. وقد اكتسب هذا الهجوم زخماً بعد أن قامت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) مع المملكة العربية السعودية في تزويد جماعات المعارضة المسلحة بأسلحة قوية مضادة للدبابات.
Mazzetti, M., Goldman, A., & Schmidt, M. S. (2017, August 2). Behind the sudden death of a $1 billion secret C.I.A. war in Syria. The New York Times. https://www.nytimes.com/2017/08/02/world/middleeast/cia-syria-rebel-arm-train-trump.html
فيما يلي مقتطف من مقابلة أجرتها الصحفية يلدا حكيم مع وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، ضمن برنامج “العالم” (The World) على شبكة “سكاي نيوز” (Sky News) بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠٢٥:
“يلدا حكيم: هل تقرّ، يا سيادة الوزير، بأن باكستان لديها تاريخ طويل من دعم ومساندة وتدريب وتمويل هذه المنظمات الإرهابية؟
خواجة آصف: حسناً، لقد قمنا بهذا العمل القذر لصالح الولايات المتحدة —ولصالح الغرب أيضاً، بما في ذلك بريطانيا— على مدى ثلاثة عقود تقريباً.
يلدا حكيم: إذن، هل هذه هي حجتك، بأنه على الرغم من...
خواجة آصف: لا، لقد كان ذلك خطأً ودفعنا ثمنه غالياً، ولهذا السبب تطرحين عليّ هذا السؤال الآن. فلو لم ننخرط في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، ولاحقاً في الحرب التي تلت أحداث ١١ سبتمبر، لكان سجلّ باكستان —كما تعلمين— سجلاً ناصعاً لا تشوبه شائبة.”
Sky News. (2025, April 24). Pakistan warns Kashmir row could lead to ‘all-out war’ with India | The World with Yalda Hakim [Video]. YouTube. https://www.youtube.com/watch?v=ir8pJbKE37U (ملاحظة: تبدأ المحادثة المقتبسة عند [٠٩:٤٠])


