الخلفية التاريخية: الصراع الفكري بين النقل والعقل الذي تمخضت عنه هيمنة الإسلام الأشعري الماتريدي لقرون
بحسب أستاذ اللاهوت الإسلامي بنيامين أبراهاموف، “تمحور الصراع اللاهوتي (العقدي) الرئيسي في الإسلام […] بين علماء الكلام التقليديين ونظرائهم العقلانيين.”(1)
بحسب أبراهاموف، يمثل “أهل الحديث” أعلى درجات الالتزام بالتقليد، حيث تجنبوا عموماً الخوض في التأملات الكلامية (الجدل العقلي) تماماً أو قصروا ذلك على الحد الأدنى، ويُعد الحنابلة أبرز ممثلي هذا النهج (المتشدد في التزامه بالنقل)، غير أن هذا التوجه لا يقتصر عليهم فحسب، بل يُمكن العثور عليه أيضاً لدى علماء المذاهب الشافعية والمالكية والحنفية. وفي المقابل، أتاح تقليديون آخرون قدراً معيناً من استخدام العقل مع الإبقاء على أولوية النصوص المقدسة والإجماع؛ وهؤلاء يُطلق عليهم أحياناً اسم “متكلمة أهل الحديث.”(2)
أما العقلانيون (الذين يمثلهم “المتكلمون”)، وفق أبراهاموف، فيميلون إلى اعتبار العقل وسيلة رئيسية للوصول إلى الحقيقة الدينية، وقد يمنحونه الأولوية على الوحي والسنة في مسائل محددة. وتُعد المعتزلة المجموعة الأكثر ميلاً للعقلانية بينهم، في حين أن الأشاعرة والماتيريدية يتبنون نهجاً أقل عقلانية.(3)
تجدر الإشارة هنا، بحسب أبراهاموف، إلى أن العقلانية في الفكر الإسلامي محصورة في نطاق العقائد؛ إذ يُنظر إلى الاعتماد الحصري على العقل بوصفه أداةً مستقلة لإدراك الحقائق على أنه كفر وضلال.(4)
وفقاً لريتشارد سي. مارتن، الباحث في الدراسات الإسلامية وتاريخ الأديان، وآخرون، في العقد الثالث من القرن التاسع الميلادي، تصاعدت حدة الصراع بشكل كبير بين المعتزلة وأصحاب التيار التقليدي (أهل الحديث)، وذلك حين أمر الخليفة المأمون (الذي حكم في الفترة ٨١٣-٨٣٣م) —متأثراً بعلم الكلام— كبار القضاة في الدولة العباسية بإعلان تأييدهم العلني للعقيدة المعتزلية، وهو مطلب قاومته شخصيات بارزة، أشهرها أحمد بن حنبل (توفي عام ٨٥٥م). لقد أدت فترات سجن ابن حنبل المتكررة إلى اندلاع مظاهرات شعبية واسعة النطاق، مما عكس عمق واتساع نطاق الدعم المجتمعي للرؤية التقليدية. وفي نهاية المطاف، ومع حلول منتصف القرن، أنهى الخليفة المتوكل محنة خلق القرآن وأطلق سراح ابن حنبل.(5)
وفقاً لمارتن وآخرين، مع افتقارها إلى الدعم السياسي، فقدت المعتزلة نفوذها بسرعة في أوساط علماء السنة، مفسحةً المجال للمدرستين الأشعرية والماتريدية، ولا سيما عقب صعود الدولة السلجوقية في منتصف القرن الحادي عشر. ورغم أن القاضي عبد الجبار (توفي سنة ١٠٢٤م) يُعد آخر كبار أئمة هذه المدرسة في العصور الوسطى، وأن آثار تأثيرها برزت لاحقاً لدى شخصيات مثل المفسر الزمخشري (توفي سنة ١١٤٤م)، إلا أن النصوص المعتزلية المبكرة أصبحت تُحفظ وتُناقش بشكل متزايد من قِبَل الشيعة الزيدية والإمامية بدلاً من السنة. وفي الأوساط السنية التي تلت القرن الحادي عشر —والتي تبنت المذهب الأشعري في الغالب— قوبلت العقائد المعتزلية بسخرية علنية لاذعة وإدانة من على منابر صلاة الجمعة. كما كان المتكلمون التقليديون “متكلمة أهل الحديث” من أشد المنتقدين العلنيين للعقلانيين، ولا سيما المعتزلة.(6)
(1) Abrahamov, Binyamin. Islamic Theology: Traditionalism and Rationalism. Edinburgh UP, 1998, pp. viii.
(2) ibid., viii-ix.
(3) ibid., viii-x.
(4) ibid., x.
(5) Martin, Richard C., and Mark R. Woodward, with Dwi S. Atmaja. Defenders of Reason in Islam: Mu’tazilism from Medieval School to Modern Symbol. Oneworld Publications, 1997, p. 18.
(6) ibid.
الإسلام الأشعري الماتيريدي الذي ساد لقرون (إسلام أهل السنة والجماعة)
بحسب أستاذة الدراسات الدينية ناميرا ناهوزا:
“يشهد مفهوم ‘السنّة’ اليوم جدلاً واسعاً […] في ظل جهود إعادة كتابة التاريخ التي يقوم بها السلفيون. وحتى الآن، تُقرّ الأدبيات الأكاديمية —وكذلك المؤسسات الإسلامية السائدة— بأن الإطار العقدي للغالبية العظمى من مسلمي العالم كان يتمثل في المذهب الأشعري. […] ‘الأشعرية’ هي التسمية التي أُطلقت على المدرسة العقدية المؤسَّسة أصلاً على تعاليم أبي الحسن الأشعري، والتي تعتمد في إثبات العقائد على الأدلة النقلية المستمدة من القرآن والحديث، فضلاً عن الحجج العقلية.”(1)
توضح ناهوزا أنه وفقاً للمنظور التاريخي السائد لدى أهل السنة، ينظر إلى أبي الحسن الأشعري (توفي ٩٣٥م) وأبي منصور محمد الماتريدي (توفي ٩٤٤م) باعتبارهما عالمين مؤسسين دافعا عن العقيدة الإسلامية القويمة (الأرثوذكسية) في مواجهة البدع الكلامية. ونظراً لكونهما عاصرا الحقبة المبكرة للسلف، فإن أطروحاتهما الكلامية —التي لا تختلف إلا من حيث المصطلحات— تُعد مطابقةً لما كان عليه السلف الصالح من الأجيال الأولى؛ وبذلك أرسى العالمان المدرستين الأشعرية والماتريدية اللتين تشكلان اليوم معالم اللاهوت السني السائد عالمياً.(2)
وتُمثّل هذه الرواية التقليدية، بحسب ناهوزا، موقف “أهل السنة”؛ فهم يرون أنفسهم ورثةً للسلف (دون أن يطلقوا على أنفسهم لقب “السلفية”)، ويعتقدون بعدم وجود اختلاف عقدي جوهري بين كل من الأشعري والماتريدي والسلف. كما يؤكدون على استمرارية نهجهم مع السلف من خلال اتباع المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى (الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية).(3)
في ٢٥ أغسطس ٢٠١٦، انعقد مؤتمر عالمي لعلماء المسلمين في الشيشان تحت عنوان: “من هم أهل السنة والجماعة؟ بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا، وأثر الانحراف عنه على الواقع”. وقد سعى المؤتمر إلى تعريف أهل السنة. حضر المؤتمر أكثر من مائتي مرجعيةٍ دينية إسلامية من مختلف أنحاء العالم، بمن فيهم الإمام الأكبر أحمد الطيب، ومفتي الديار المصرية شوقي علام، ومفتي سورية أحمد حسون، ومفتي الأردن عبد الكريم الخصاونة، ومفتي الديار المصرية السابق الشيخ علي جمعة، ومفتي دمشق الشيخ عبد الفتاح البزم، والأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أحمد عبادي، والداعية اليمني علي الجفري، والشيخ إدريس الفهري، والشيخ سعيد فودة، والشيخ أسامة الأزهري. استثنى البيان الختامي للمؤتمر السلفية من تعريف أهل السنة.(4) جاء في البيان:
“أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، ‘ومنهُم أهل الحديث المفوضة’ في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكيةً على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى.”(5)
في ٩ سبتمبر ٢٠١٦، علق الكاتب السعودي في جريدة “العرب” أحمد عدنان على الجدل الذي أثير بسبب استثناء البيان الختامي لمؤتمر غروزني السلفية قائلاً:
“وما أثار دهشتي حقاً، المشاعر المرهفة التي فاجأنا بها السلفيون نظير استبعادهم من أهل السُنة، وهم لم يتركوا طائفة أو مذهباً في الإسلام إلا وأخرجوه من الدين كله، وحين نعود إلى فتاوى هيئة كبار العلماء السعودية عن أهل السُنة سنجد العجاب، فالفتوى رقم ٢١١١٩ حددت موقفاً نهائياً من الصوفية ‘المتصوفة قد انحرفوا عن الكتاب والسنة، وأحدثوا طرقاً مبتدعة خالفوا فيها منهج العلماء... ومعلوم أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يحارب البدع والشركيات ومن أعظمها التصوف المنحرف’. وعن الأشاعرة قال المفتي السعودي الشيخ عبدالعزيز بن باز في المجلد الثالث من فتاواه ‘الأشاعرة ضلّوا في ما خالفوا فيه الكتاب والسُنة وما عليه خيار هذه الأمة’.”(6)
يقول أستاذ العلوم الشرعية الشيخ سيف بن علي العصري:
“السواد الأعظم هم أهل السنة والجماعة بِفِرَقِهِم الثلاث (أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية)، ومذهب أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه الصحابة والسواد الأعظم من التابعين وأئمة الحديث والفقه، وعلى ذلك المنهج سلك الإمامان (الأشعري والماتريدي)، وتبعهما عليه علماء المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة […] فمن انتقص الأشاعرة ورماهم بالبدعة فقد ضلل جمهور الأمة; واتهم جماهير أئمة الهدى من المفسرين والمحدثين والفقهاء بالانحراف.”(7)
ينتقد عالم الدين محمد علوي المالكي في كتابه “مفاهيم يجب أن تصحح” اتهام الأشاعرة بالضلال، حيث يقول أن الأشاعرة هم:
“أئمة أعلام الهدى من علماء المسلمين، الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها، وأطبق الناس على فضلهم وعلمهم ودينهم، هم جهابذة علماء أهل السنة وأعلام علمائها الأفاضل […] إنهم طوائف المحدثين والفقهاء والمفسرين من الأئمة الأعلام.”(8)
ويسمي من علماء الأشاعرة أحمد ابن حجر العسقلاني والنووي، والقرطبي، وابن حجر الهيتمي، وزكريا الأنصاري، وأبي بكر الباقلاني، والقسطلاني، والنسفي، والشربيني ، وأبو حيان النحوي، وابن جزي، والفخر الرازي.(9) ويقول:
“ولو أردنا أن نعدّد هؤلاء الأعلام من المحدثين والمفسرين والفقهاء من أئمة الأشاعرة .. لضاق بنا الحال ، واحتجنا إلى مجلدات في سرد أولئك العلماء الأفاضل، الذين ملأ علمهم مشارق الأرض ومغاربها […] هؤلاء وغيرهم من جهابذة العلماء، وفطاحل النبهاء إذا لم يكونوا من أهل السنة والجماعة .. فمن هم أهل السنة إذاً؟!”(10)
(1) Nahouza, Namira. Wahhabism and the Rise of the New Salafists: Theology, Power and Sunni Islam. I.B. Tauris, 2018, p. 117.
(2) ibid., p. 118.
(3) ibid., pp. 118-119.
(4) “The Grozny Conference.” Chechnya Conference, https://chechnyaconference.org/#testimonials.
(5) Chechnya Conference Delegates. “بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادًا وفقهًا وسلوكًا، وأثر الانحراف عنه على الواقع” [Statement and Description of the Methodology of Ahl al-Sunnah wa al-Jama’ah in Belief, Jurisprudence, and Behavior, and the Impact of Deviation from It on Reality]. Chechnya Conference, 2016, https://chechnyaconference.org/material/chechnya-conference-statement-arabic.pdf.
(6) Adnan, Ahmed [أحمد عدنان]. “Mu’tamar Ghurūznī, Sham’ah Tataḥaddā al-Ẓalām” [مؤتمر غروزني، شمعة تتحدى الظلام]. Al-Arab [العرب], 10 Sept. 2016, https://alarab.co.uk/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%BA%D8%B1%D9%88%D8%B2%D9%86%D9%8A%D8%88-%D8%B4%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%85.
(7) Chechnya Conference Delegates. “الأشاعرة والماتريدية هم السواد الأعظم” [The Ash’aris and Maturidis are the Vast Majority]. Chechnya Conference, 2016, https://chechnyaconference.org/material/checnya-convention-2016-ahl-assunna-majority.pdf.
(8) Al-Maliki, Muhammad ibn Alawi. Mafahīh Yajibu an Tusahaḥ [مفاهيم يجب أن تصحح] [Concepts That Must Be Corrected]. 1st corrected ed., Madar al-Sanabil and Dar al-Hawi, 2019, p. 171.
(9) ibid., pp. 172-173.
(10) ibid.
نشأة الوهابية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
يعرّف أستاذ العلوم السياسية جيل كيبل السلفية على أنها “تيار فكري ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كرد فعل على انتشار الأفكار الأوروبية، ودعا إلى العودة إلى تقاليد الأسلاف الورعين.”(1) يعرف مارتن وآخرون السلفية بأنها “حركةٌ بين المسلمين التقليديين تحثُّ على الاقتداء بالسلف —أي الأجيال الأولى من المسلمين— بدلاً من الدعوة إلى تكييف الإسلام مع الظروف التاريخية المتغيرة.”(2) يشير بيتر ماندفيل، أستاذ الشؤون الدولية، إلى أن “الوهابية تمثل، في جوهرها، نسخة سعودية خاصة من التيار السلفي الأوسع.”(3)
يذكر أستاذ التاريخ ديفيد كومينز أن مؤسس الوهابية، محمد بن عبد الوهاب، وأفراداً من عائلته، كانوا من رجال الدين ذوي المعرفة السطحية بالعلوم الإسلامية، غير أنهم نالوا مكانتهم الدينية مستفيدين من انتشار الأمية والجهل في بيئتهم المحيطة. ويشير كومينز إلى أن محمد بن عبد الوهاب قد أساء فهم بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، مما أدى به إلى تبني تفسيرات شاذة عن الفكر الإسلامي المألوف.(4) وعلى سبيل المثال، يوضح كومينز أنه في حين جرى التقليد الإسلامي السائد على اعتبار النطق بالشهادتين كافياً لإثبات إسلام المرء، فإن مؤسس الوهابية، محمد بن عبد الوهاب، رفض هذا الرأي التقليدي؛ جاعلاً المعيار يعتمد حصراً على صحة العبادة باعتبارها تجسيداً للتوحيد.(5)
(1) Kepel, Gilles. Jihad: The Trail of Political Islam. Harvard University Press, 2002, p. 219-220.
(2) Martin, Richard C., and Mark R. Woodward, with Dwi S. Atmaja. Defenders of Reason in Islam: Mu’tazilism from Medieval School to Modern Symbol. Oneworld Publications, 1997, p. 234.
(3) Mandaville, Peter, editor. Wahhabism and the World: Understanding Saudi Arabia’s Global Influence on Islam. Oxford University Press, 2022, p. 10.
(4) Commins, David. The Wahhabi Mission and Saudi Arabia. I.B. Tauris, 2006, pp. 1–2.
(5) ibid., p vii.
تعاليم السلفية الوهابية
استناداً إلى كتاب “لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب” لمؤلفه حسن بن جمال بن أحمد الريكي، يشير المؤرخ هاملتون غيب وأستاذ الدراسات الاسلامية يوهانس كرامرز، إلى أن تعاليم محمد بن عبد الوهاب تضمنت القضاء على كل ما هو مستحدث بعد القرن الثالث الهجري (البدع)، واستباحة دماء من يعبد غير الله. وشملت الأمور التي اعتُبِرَت شركاً: تقديس الأولياء وزيارة الأضرحة، وعدم الالتزام بعقيدة التوحيد وفق المنظور الوهابي، وذكر الأنبياء أو الأولياء في الدعاء، وطلب الشفاعة من غير الله، والنذر لغير الله. ومما اعتبِرَ: إنكار حتمية القدر، والادعاء بمعرفة لا تستند إلى القرآن والسنة، وتفسير القرآن عن طريق التأويل بدلاً من الالتزام بالنص الحرفي. بالإضافة إلى ذلك، اعتبرت تعاليمه أن صلاة الجماعة واجبة، وحرمت التبغ، وفرضت الزكاة على الأموال الباطنة، ورأت أن النطق بالشهادتين وحده لا يكفي لإثبات الإيمان.(1)
بحسب المؤرخ رول مير، هناك أربعة عناصر متطرفة في الوهابية:
العنصر الأول هو الدعوة للعودة مباشرة إلى القرآن والحديث، في حين أنها اتبعت فعلياً تقليد وفقه المذهب الحنبلي. حيث أن التركيز الشديد على النقاء العقدي والنزعة الحرفية يؤدي حتماً إلى نشوب خلافات داخلية وانقسامات وتشرذم وعددٍ لا متناهٍ من التفسيرات.(2)
العنصر الثاني هو العلاقة بين الوهابيين والآخرين. اتخذت الوهابية موقفاً معادياً للأجانب ونزعة طائفية تجاه المسلمين من غير الوهابيين؛ إذ يطلب من الوهابيين، استناداً إلى مبدأ “الولاء والبراء”، النأي بأنفسهم عن المسلمين الذين لا يلتزمون بتعاليم الوهابية وعقيدتها.(3)
العنصر الثالث هو:
“وصم التشيع بالبدعة. فقد أدانت الوهابية التشيع لسببين عقائديين: أولهما تبجيل الشيعة للأئمة واعتبارهم معصومين؛ وثانيهما إنكار الشيعة لشرعية ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة (الذين حكموا في الفترة ما بين ٦٣٢ و٦٦١ ميلادية)، وما يترتب على ذلك من طعن في مكانة صحابة النبي وفي صحة الحديث النبوي، الذي يُعد الركيزة الأساسية للوهابية والسلفية على حد سواء.”(4)
العنصر الرابع هو ممارسة ‘الحسبة’، أو ‘الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’. إذ وظّفت الوهابية هذه الممارسة كوسيلة لفرض تعاليم الوهابية الصارمة على السكان وتقويم ما رأت أنه انحرافات.(5)
(1) Gibb, H. A. R., and J. H. Kramers, editors. Concise Encyclopedia of Islam. Brill Academic Publishers, 2001, p. 618.
(2) Meijer, Roel, editor. Global Salafism: Islam’s New Religious Movement. Oxford University Press, 2009, pp. 9-12.
(3) ibid., p. 10.
(4) ibid., p. 11.
(5) ibid., p. 12.
انتقادات وجهها علماء دين مسلمون للسلفية الوهابية
يُعد كتاب “ردع الضلالة وقمع الجهالة” للشيخ عبد الوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأزهري الطندتاوي، المُؤلَّف عام ١٧٤٣، من أوائل ما كُتب في نقد الوهابية، والذي نعت فيه مؤلفه محمد بن عبد الوهاب بـ “الضال المضل.”(1) وقد جاء في مقدمة الكتاب:
“بلغنا أنّ شخصاً من الناس يقول إنّ الناس ليسوا على شيء من جهاتٍ ويدعي تكفيرهم بما هم عليه، وخصوصاً من ينسب إلى الصلاح واشتهر ذكره بين الناس بالولاية، كسيدي عبد القادر الجيلاني وأمثاله، ويقول إنهم طواغيت فيجزم بكفرهم وكفر من اتبعهم بالأولى. وسمعنا عنه أنه ينهى الناس عن التوسّل إلى الله بالرسول أو بالصحابة أو بأهل البيت. وسمعنا أنه ينكر إنكاراً شديداً على من يزور الصحابة المقبورين [...] وسمعنا عنه أنّه يقول لا حاجة إلى تقليد العلماء السابقين، كالأربعة الأئمة المجتهدين وأتباعهم، وإنما على كل شخص أن يأخذ بكتاب الله وسنّة رسوله لا بأقوال العلماء. وسمعنا عنه أشياء أخر غير ذلك يمجها السمع وينكرها الشرع.”(2)
في كتابه “دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب” الصادر عام ١٩٩٢، جمع الداعية السعودي الوهابي عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف طيفاً واسعاً من الانتقادات التي وُجّهت للوهابية من قِبل رجال دين مسلمين ليرد عليها.(3) ومن الانتقادات التي أوردها الكتاب في هذا السياق:
١. اتهم الإمام محمد بن على الشوكاني الوهابيين بأنهم “يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد، وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام.”(4)
٢. اتهم الشيخ محمد بن ناصر الحازمي محمد بن عبد الوهاب بـ “تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها”، و”التجاري في سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا برهان.”(5)
٣. اتهم الشيخ محمد صديق حسن خان الوهابيين بالتساهل في سفك الدماء وأعلن براءة أهل الحديث منهم.(6)
٤. اتهم الشيخ أنور شاه الكشميري محمد بن عبد الوهاب بالتسارع في التكفير.(7)
٥. وصف الشيخ محمد ابن عفالق الحنبلي محمد بن عبد الوهاب بأنه هدم “قواعد الملة المحمدية” وبأنه “كفر الأمة، بل والله وكذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك،” واتهم الوهابيين بجعل “تكفير العترة النبوية، وسبهم، ولعنهم، أصلا من أصول دينكم.”(8)
٦. ذكر الشيخ أحمد بن علي القباني البصري الشافعي أن محمد بن عبد الوهاب “كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها.”(9)
٧. وصف قاضي الرياض الشيخ سليمان بن محمد بن سحيم محمد بن عبد الوهاب بأن “من لم يوافقه في كل ما قاله، ويشهد أن ذلك حق، يقطع بكفره، ومن وافقه، ونحى نحوه، وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد.”(10)
٨. في رسالة أرسلها الشيخ محمد بن محمد القادري الى الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، قال فيها: “فإنك لو تدبرت فيه بعين بصيرتك واعتبرت بها، لما كنت تحكم على الأمة المحمدية بالشرك الأكبر، من غير برهان، وليس هذا إلا شقاوة وخسران وحرمان.”(11)
٩. قال الشيخ علوي بن أحمد بن حسن الحداد عن محمد بن عبدالوهاب: “إذا أراد رجل أن يدخل في دينه، يقول له اشهد على نفسك أنك كنت كافرا، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا، فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله.”(12)
١٠. اتهم الشيخ حسن بن عمر الشطي محمد بن عبد الوهاب بـ”تكفير المسلمين واعتقاده حل دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم”.(13)
١١. اتهم الشيخ عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الله النيسابوري محمد بن عبدالوهاب بـ “قتل آلاف من المسلمين القائلة لا إله إلا الله محمد رسول الله المتصدقين الصائمين الحاجين بيت الله الحرام، بل قتل الذرية والنسوان من غير بغي منهم، ولا عدوان زعما منه أنه من أهل التوحيد فقط، والمسلمون كلهم مرتدون.”(14)
١٢. اتهم الشيخ علي ابن ابراهيم بن محمد نقي الكنهوري محمد بن عبد الوهاب بأن “عقيدته هي أن جميع المسلمين سوى أهل نحلته كفار مشركون، يحل أموالهم ودمائهم، ويجوز اتخاذهم عبيدا، ويستدل على ذلك بتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان”.(15)
١٣. قال قاضي سدير الشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور عن الوهابيين التالي: “قد ابتلى الله أهل نجد بل جزيرة العرب، بمن خرج عليهم، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة، إلا من وافقه على قوله.” وأضاف أن محمد بن عبد الوهاب “جعل طاعته ركنا سادسا للأركان الخمسة”.(16)
١٤. أشار الشيخ أحمد بن زيني دحلان الى أن الوهابيين حكموا على كل البشر بالشرك وحرضوا على قتلهم لنيل الجنة، واعتبروا أن الموحد هو فقط من يتبعهم، واعتبروا أن الحج الذي حدث قبل اتباع المسلم لهم باطل، وأتهم محمد بن عبد الوهاب بجعل الالتزام بتعاليم الوهابية الركن السادس للإسلام.(17)
١٥. نعت الشاعر جميل صدقي الزهاوي الوهابية بـ”الفرقة المارقة”، وقال عن محمد ابن عبد الوهاب أنه “زعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة”، وقال أن تعريف الوهابية وغايتها هو “تكفير كافة المسلمين”.(18)
١٦. اتهم الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء محمد بن عبد الوهاب بأنه “يكفر المسلمين، ويضرب بعضهم ببعض، وما انجلت تلك الفترة، إلا وهم بأيدي الأعداء ينقضون دعائم الدين.”(19)
١٧. قال مؤسس الحركة البريلوية الشيخ أحمد رضا خان أن محمد بن عبد الوهاب “يكفر سائر المسلمين، ومن بينهم الأئمة والمشائخ ... إن ابن عبد الوهاب قد أعلن عقب ظهور دينه الجديد أن الأمة الإسلامية منذ ستمائة سنة تتخبط في ظلام الشرك، وقد ردد الوهابيون قول زعيمهم فيما بعد.”(20)
١٨. قال القاضي محمد توفيق نجيب السوقية عن الوهابيين “إن مذهبهم تكفير الأموات، ورمي الأحياء بالشرك.”(21)
١٩. يرى الشيخ محمد جواد مغنية أن الوهابيين “يريدون بالموحدين الوهابية أنفسهم، وبالمشركين جميع المسلمين بدون استثناء.”(22)
٢٠. عبّر الشيخ حسين حلمي ايشيق عن رأيه بالوهابيين بالقول: “ولا يحسبون غير أنفسهم مسلمين، ويكفرون ما عداهم، ويقولون أن أموالهم وأنفسهم مباحة للوهابيين.”(23)
٢١. قال الشيخ مالك بن الشيخ داود أن “بعض العلماء يسمون الدعوة الوهابية بـ’الدعوة الدموية’.” وأضاف أن الوهابيين “مصممون على أن من لم يكن وهابيا فهو مشرك، يجب هجرانه ولا يجوز التعامل معه فيما يخص الدين، أو الدنيا.”(24)
(1) Traboulsi, Samer. “An Early Refutation of Muḥammad ibn ʿAbd al-Wahhāb’s Reformist Views.” Die Welt des Islams, vol. 42, no. 3, 2002, pp. 373–415.
(2) ibid.
(3) Al ʿAbd al-Laṭīf, ʿAbd al-ʿAzīz ibn Muḥammad ibn ʿAlī. Daʿāwī al-munāwiʿīn li-daʿwat al-Shaykh Muḥammad ibn ʿAbd al-Wahhāb [دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب]. Dār al-Waṭan, 1992, https://shamela.ws/book/11186.
(4) ibid., p. 159.
(5) ibid.
(6) ibid., p. 160.
(7) ibid.
(8) ibid., p. 163.
(9) ibid., p. 164.
(10) ibid.
(11) ibid.
(12) ibid., p. 165.
(13) ibid.
(14) ibid., p. 166.
(15) ibid.
(16) ibid.
(17) ibid., p. 167.
(18) ibid.
(19) ibid., p. 168.
(20) ibid.
(21) ibid.
(22) ibid.
(23) ibid., p. 168-169.
(24) ibid., p. 169.
تحالف السلفيين الوهابيين مع آل سعود
وفقاً لكومينز، ظلت الوهابية ظاهرةً هامشيةً ولم تتمكن من الحفاظ على وجودها في نجد إلا بسبب التحالف الذي جرى بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.(1) ففي عام ١٧٤٤، التقى أمير الدرعية محمد بن سعود بمحمد بن عبد الوهاب، ووافق على دعم دعوته مقابل مساندة ابن عبد الوهاب له في حملاته التوسعية.(2)
يذكر المؤرخ عثمان بن بشر جانباً من تفاصيل اللقاء، حيث قال محمد بن عبد الوهاب للأمير:
“أنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل، والفرقة، والاختلاف والقتال لبعضهم بعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك. […] فلما شرح الله صدر محمد بن سعود لذلك، وتقرر عنده، طلب من الشيخ المبايعة على ذلك، فبايع الشيخ على ذلك، وأن الدم بالدم والهدم بالهدم.”(3)
يرى المؤرخ رول مير أن هذا الميثاق أُسّس على تبادل المنفعة بين الجانبين؛ إذ سَخّر “آل سعود” الحماس الديني لتحقيق أهدافهم السياسية والتوسعية، بينما استفاد “آل الشيخ” من هذه الشراكة لفرض عقيدتهم على المجتمع والسيطرة التامة على المؤسسة الدينية في الدولة الناشئة.(4)
بحسب المؤرخ مارك كيرتس، دعمت بريطانيا ابن سعود خلال الحرب العالمية الأولى بموجب معاهدة اعترفت به حاكماً لنجد عام ١٩١٥، كما رفعت قيمة إعانته الشهرية إلى ٥٠٠٠ جنيه إسترليني بحلول نهاية الحرب. بحلول منتصف العشرينيات، تمكنت قوات “الإخوان” التابعة له —والتي بلغ قوامها ١٥٠ ألف مقاتل— من بسط السيطرة على شبه الجزيرة العربية، وذلك بعد هزيمة الحسين والاستيلاء على الحجاز. ويصف الكاتب سعيد أبو ريش، بحسب كيرتس، ابن سعود بأنه حاكم مستبد وقاسٍ؛ إذ أسفرت حروبه التوسعية عن مقتل ٤٠٠ ألف شخص، ونزوح أكثر من مليون لاجئ، وتنفيذ ٤٠ ألف عملية إعدام علنية، وإجراء ٣٥٠ ألف عملية بتر للأطراف، فضلاً عن تأسيسه لهيكل إداري تحكمه الأسرة الحاكمة، وهو هيكل لا يزال قائماً إلى حد كبير حتى يومنا هذا.(5)
وفي السياق ذاته يقول كيرتس:
“اعترفت بريطانيا بسيطرة ابن سعود على الجزيرة العربية، وبحلول عام ١٩٢٢ كان وزير المستعمرات ونستون تشرشل قد رفع قيمة المنحة المالية المخصصة له إلى ١٠٠ ألف جنيه إسترليني سنوياً. وفي الوقت نفسه، شبّه تشرشل أتباع ابن سعود من الوهابيين بحركة طالبان المعاصرة، إذ صرّح أمام مجلس العموم في يونيو ١٩٢١ بأنهم ‘متشددون، ومتعصبون، ومسلحون تسليحاً جيداً، ومتعطشون للدماء’، وأنهم ‘يعتبرون قتل كل من لا يشاركهم آراءهم، واستعباد نسائهم وأطفالهم، واجباً دينياً وعقائدياً. فقد أُعدمت نساء في القرى الوهابية لمجرد ظهورهن في الشوارع، كما يُعد ارتداء ثوب من الحرير جريمة يعاقب عليها القانون، وقُتل رجال لمجرد تدخين سيجارة’. ومع ذلك، كتب تشرشل لاحقاً أيضاً: ‘كان إعجابي به [ابن سعود] عميقاً، نظراً لولائه الثابت لنا’، وقد شرعت الحكومة البريطانية في ترسيخ قبضتها على هذا الولاء.”(6)
إذا رغبت في الاطلاع على دور الإمبريالية الأمريكية في انتشار الفكر السلفي الوهابي حول العالم، فيُرجى الاطلاع على مقال: “الإمبريالية الأمريكية والطوفان السلفي الوهابي.”
وإذا رغبت في قراءة المزيد عن توظيف الولايات المتحدة للجماعات السلفية الوهابية للقتال بالنيابة عن جيشها بمساعدة السعودية، فيُرجى الاطلاع على صفحة: “أرشيف: توظيف الجهاد السلفي الوهابي في السياسة الإمبريالية الأمريكية“.
وإذا رغبت في الاطلاع على توظيف الإمبريالية الأمريكية للفكر السلفي الوهابي لمواجهة المد القومي العربي الثوري ذي التوجهات الاشتراكية، فيُرجى الاطلاع على مقال: “لماذا نحن فقراء؟“
(1) Commins, David. The Wahhabi Mission and Saudi Arabia. I.B. Tauris, 2006, p. 69.
(2) ibid., p. 19.
(3) Ibn Bishr, Othman ibn Bishr. Unwān al-Majd fī Tārīkh Najd [عنوان المجد في تاريخ نجد]. Maktabat al-Irshād, 1983, p. 42, https://waqfeya.net/books/عنوان-المجد-فى-تاريخ-نجد/4f4d8a186fc6458ab9ba8dc30c95ec58.
(4) Meijer, Roel, editor. Global Salafism: Islam’s New Religious Movement. Oxford University Press, 2009, p. 8.
(5) Curtis, Mark. Secret Affairs: Britain’s Collusion with Radical Islam. Serpent’s Tail, 2010, pp. 11-12.
(6) ibid., p. 12.


