صعود الإمبريالية الأمريكية
بحسب أستاذ الاقتصاد آدم هنية:
“بدأ الصعود الاقتصادي للولايات المتحدة في العقود الأولى من القرن العشرين، إلا أن الحرب العالمية الثانية كانت المحطة التي شهدت بروزها الحاسم كأكثر القوى حيوية وفاعلية في النظام الرأسمالي العالمي، في منافسة لم تكن تضاهيها فيها سوى الاتحاد السوفيتي والكتلة المتحالفة معه. وقد تنامت القوة الأمريكية مستفيدةً من الدمار الذي لحق بأوروبا الغربية إبان الحرب، وما رافقه من تراجع في هيمنة القوى الاستعمارية الأوروبية؛ ففي ظل تعثر بريطانيا وفرنسا، تولت الولايات المتحدة زمام المبادرة في صياغة المشهدين السياسي والاقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك إرساء نظام مالي عالمي جديد يتمحور حول الدولار الأمريكي. وبحلول منتصف خمسينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تستحوذ على ٦٠ في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي وما يزيد قليلاً عن ربع الناتج المحلي الإجمالي للعالم، كما كانت ٤٢ شركة من بين أكبر ٥٠ شركة صناعية في العالم شركاتٍ أمريكية.”(1)
(1) Hanieh, Adam, Robert Knox, and Rafeef Ziadah. Resisting Erasure: Capital, Imperialism and Race in Palestine. eBook ed., Verso Books, 2025, p. 23.
ثورة العالم الثالث (أو ما يسمى أيضا بالجنوب العالمي أو الدول النامية)
يذكر هنية أن النظام الرأسمالي العالمي قد تعرض لزعزعة الاستقرار في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بفعل موجة ثورية من حركات إنهاء الاستعمار والهيمنة الأجنبية التي اجتاحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.(1) ووفقاً للمؤرخ إل. إس. ستافريانوس، استلهمت العديد من الأنظمة الثورية التقدم الاجتماعي والاقتصادي السريع الذي حققه الاتحاد السوفيتي، فقامت بتطبيق اقتصادات مخططة مركزياً واعتماد الملكية العامة.(2) في سيرته الذاتية، صرّح رئيس الوزراء الهندي الأسبق جواهر لال نهرو بأن “وجود السوفييت وما قدموه من نموذج كان ظاهرةً مشرقةً وبعثت على الأمل في عالمٍ يكتنفه الظلام والكآبة”.(3)
استناداً إلى بيانات (Maddison Project Database) —والمعروضة في منصة (Our World in Data)— يُظهر الرسم البياني الذي يغطي جميع دول العالم أن الاتحاد السوفيتي السابق شهد أكبر زيادة تراكمية في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، حيث ارتفع هذا المؤشر بأكثر من ١٢٠٠% بحلول عام ١٩٨٩ مقارنة بمستواه في عام ١٩٢١.(4)
بحسب عالم السياسة مايكل بارينتي، نفذت هذه الحكومات الثورية إصلاحات زراعية وتأميم أراضي الأقطاعيين وبرامج شاملة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والتوظيف. ومن خلال معالجة آثار الاستغلال الاستعماري والفقر المدقع، حققت هذه المبادرات ارتفاعاً غير مسبوق تاريخياً في مستويات المعيشة لمئات الملايين من البشر.(5) ويرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الحكومات الثورية حققت أيضاً تقدماً في مجالات التصنيع والمساواة الاقتصادية وبناء الدول الحديثة.(6) وتشير بيانات البنك الدولي، التي استشهدت بها الاقتصادية أليس أمسدن، إلى محطة تاريخية هامة بين عامي ١٩٥٠ و١٩٨٠؛ إذ تفوقت الاقتصادات النامية —لأول مرة في التاريخ المسجل— على الاقتصادات المتقدمة، محققةً متوسط نمو سنوي في الدخل يتجاوز ٥% مقارنةً بـ ٤% في الاقتصادات المتقدمة. وقد وصفت أمسدن هذه الحقبة بأنها “فترة شهدت توسعاً غير مسبوق في مستويات المعيشة، ودخل الفرد، والأجور، ومعدلات الحد من الفقر.”(7)
(1) Hanieh, Adam, Robert Knox, and Rafeef Ziadah. Resisting Erasure: Capital, Imperialism and Race in Palestine. eBook ed., Verso Books, 2025, p. 25
(2) Stavrianos, L. S. Global Rift: The Third World Comes of Age. 1st ed., William Morrow and Co., 1981, pp. 509–511.
(3) Nehru, Jawaharlal. An Autobiography. 4th ed., Oxford UP, 1988, p. 362.
(4) Bolt, J., & van Zanden, J. L. (2020). Maddison Project Database 2020 [Data set]. Our World in Data. https://ourworldindata.org/economic-growth
(5) Parenti, Michael. Blackshirts and Reds: Rational Fascism and the Overthrow of Communism. City Lights Books, 2020, p. 26.
(6) Amin, Samir. The Long Revolution of the Global South: Toward a New Anti-Imperialist International. Translated by James Membrez, Monthly Review Press, 2019, pp. 16–17.
(7) Amsden, Alice H. Escape from Empire: The Developing World’s Journey Through Heaven and Hell. MIT Press, 2007, pp. 5–6.
الثورة المضادة بقيادة الولايات المتحدة
وفقاً لبارينتي، شنت الولايات المتحدة “ثورة مضادة” عالمية تضمنت تدخلات عسكرية مباشرة،(1) وانقلابات، وتمويلاً لحركات المعارضة، وتدريباً للقوات العسكرية.(2) ويشير عالم السياسة دوف ليفين إلى أن الولايات المتحدة تدخلت في انتخابات ٨١ دولة في الفترة ما بين عامي ١٩٤٦ و٢٠٠٠.(3) وعلاوة على ذلك، أطلقت الولايات المتحدة حملات بهدف تشجيع وتعزيز الحركات الإسلامية الأصولية؛ إذ نُظر إلى هذه الجماعات باعتبارها حاجزاً أمام التوسع المحتمل للاتحاد السوفيتي، وثقلاً مضاداً للقوميين واليساريين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم يشكّلون تهديداً للمصالح الغربية.(4)(5)(6)(7)(8)
في عام ١٩٦٢، أقر المؤرخ البريطاني أرنولد جيه. توينبي بأن “أمريكا اليوم هي قائدة ثورة عالمية مضادة تهدف إلى الدفاع عن المصالح القائمة؛ فهي تمثل الآن ما كانت تمثله روما. لقد دأبت روما على دعم الأغنياء ضد الفقراء في جميع المجتمعات الأجنبية التي خضعت لسيطرتها؛ ونظراً لأن الفقراء، حتى الآن، كانوا دائماً وفي كل مكان أكثر عددًا بكثير من الأغنياء، فقد أدت سياسة روما إلى ترسيخ عدم المساواة والظلم، وتحقيق أقل قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.”(9)
في خطاب ألقاه في ١٤ فبراير ٢٠٢٦ خلال مؤتمر ميونخ للأمن، استعرض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التحولات التاريخية للغرب بدءاً من مرحلة صعود الإمبراطوريات الغربية قبل خمسة قرون وصولاً إلى المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، قائلاً:
“على مدى خمسة قرون —وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية— كان الغرب في حالة توسع مستمر؛ إذ تدفق المبشرون والحجاج والجنود والمستكشفون من شواطئه ليعبروا المحيطات، ويستوطنوا قارات جديدة، ويشيدوا إمبراطوريات شاسعة امتدت عبر أرجاء المعمورة.
ولكن في عام ١٩٤٥، وللمرة الأولى منذ عصر كولومبوس، بدأ الغرب ينكمش؛ فقد كانت أوروبا حطاماً، يعيش نصفها خلف ‘الستار الحديدي’، بينما بدا أن النصف الآخر سيلحق به قريباً. لقد دخلت الإمبراطوريات الغربية العظمى مرحلة أفولٍ حتمي، تسارعت وتيرته بفعل الثورات الشيوعية الملحدة وانتفاضات مناهضة الاستعمار التي غيّرت وجه العالم، ونشرت راية ‘المطرقة والمنجل’ الحمراء فوق مساحات شاسعة من الخريطة في السنوات التي تلت ذلك.
وفي ظل تلك الظروف —آنذاك كما هو الحال اليوم— ساد اعتقاد لدى الكثيرين بأن عصر الهيمنة الغربية قد ولى، وأن مستقبلنا محكوم عليه بأن يكون مجرد صدىً باهتٍ وواهنٍ لماضينا. غير أن أسلافنا أدركوا معاً أن الأفول خيارٌ يمكن تجنبه، وهو خيارٌ رفضوا اتخاذه. هذا ما فعلناه معاً من قبل، وهذا ما يسعى الرئيس ترامب والولايات المتحدة للقيام به مجدداً الآن، جنباً إلى جنب معكم.”(١٠)
(1) Parenti, Michael. Blackshirts and Reds: Rational Fascism and the Overthrow of Communism. City Lights Books, 1997, pp. 23–25.
(2) Koeppel, Barbara. “The United States’ History of Regime Change — Revisited.” Le Monde Diplomatique, 2 Feb. 2026, mondediplo.com/outside-in/us-interference. Accessed 24 Feb. 2026.
(3) Levin, Dov H. “When the Great Power Gets a Vote: The Effects of Great Power Electoral Interventions on Election Results.” International Studies Quarterly, vol. 60, no. 2, June 2016, pp. 189–202. Oxford Academic, https://doi.org/10.1093/isq/sqv016.
(4) Dreyfuss, Robert. Devil’s Game: How the United States Helped Unleash Fundamentalist Islam. Henry Holt and Co., 2005, pp. 1–4.
(5) Davidson, Christopher M. Shadow Wars: The Secret Struggle for the Middle East. Oneworld Publications, 2017, pp. 90–94.
(6) Curtis, Mark. Secret Affairs: Britain’s Collusion with Radical Islam. Updated ed., Serpent’s Tail, 2012, pp. 67–68.
(7) Gowans, Stephen. Israel, a Beachhead in the Middle East: From European Colony to US Power Projection Platform. 1st ed., Baraka Books, 2019, pp. 73–74.
(8) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, pp. 20–21.
(9) Toynbee, Arnold J. America and the World Revolution, and Other Lectures. Oxford UP, 1962, pp. 92–93.
(10) Rubio, M. (2026, February 14). Secretary of State Marco Rubio at the Munich Security Conference [Speech transcript]. U.S. Department of State. https://www.state.gov/releases/office-of-the-spokesperson/2026/02/secretary-of-state-marco-rubio-at-the-munich-security-conference
أسباب الثورة المضادة
يرى بارينتي أنه جرى استهداف الحكومات الثورية في الجنوب العالمي من قبل قوى الثورة المضادة على الرغم من شعبيتها الكبيرة وعلى الرغم من استعدادها لتكون محايدة خلال الحرب الباردة. وكانت الذريعة دوماً إما التصدي للشيوعية أو التصدي للثوار المشتبه في كونهم شيوعيين، في حين أن السبب الحقيقي وراء استهدافهم هو انتصارهم للطبقات العاملة على حساب الأقليات الثرية الحاكمة.(1)
وفق المفكر نعوم تشومسكي، تمثّل أحد الأهداف الأمريكية الرئيسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية في إعادة الجنوب العالمي إلى دوره الخدمي التقليدي،(2) بحيث يتم دمجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي تسيطر عليه الدول الصناعية الرأسمالية كمزود للمواد الخام، والعمالة الرخيصة، والأسواق، وفرص الاستثمار.(3)
وبحسب تشومسكي، تُشير وثائق السياسة الأمريكية رفيعة المستوى إلى “القومية الاقتصادية” (أو ما يُوصف بـ “القومية الراديكالية” أو “القومية المتطرفة”) باعتبارها التهديد الرئيسي للمصالح الأمريكية؛ لأنها تتبنى سياسات تهدف إلى تحقيق توزيع أوسع للثروة ورفع مستوى معيشة الشعوب، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن “الشعب هو المستفيد الأول من تنمية موارد بلاده”. وقد سعت الاستراتيجية الأمريكية إلى القضاء على هذه التوجهات لضمان بقاء المستثمرين الأمريكيين وحلفائهم المستفيدين الرئيسيين، مع ضمان توفير بيئة استثمارية مواتية تمكّنهم من الوصول غير المقيد إلى الأيدي العاملة والمواد الخام. وفي الشرق الأوسط، عنى ذلك قمع الجهود المحلية الرامية للسيطرة على الثروات الإقليمية، لضمان استمرار تدفق الثروات إلى القوى الغربية.(4)
ويضيف تشومسكي أن الولايات المتحدة تمارس “القومية الاقتصادية” بنفسها، حيث يعتمد اقتصادها بشكل كبير على تدخل الدولة المكثف،(5) وتُطبّق السياسات الاقتصادية الحمائية واستراتيجيات التصنيع لإحلال الواردات وغيرها من سياسات “القومية الاقتصادية المتطرفة”(6)؛ لكنها لا تريد أن تحقق دول أخرى “تنمية صناعية مفرطة” من خلال اتباع مسار “القومية الاقتصادية” لأن في ذلك تهديداً لمصالح الشركات الأمريكية. وعليه، بإمكان البرازيل، مثلاً، إنتاج نوعٍ من الفولاذ منخفض الجودة الذي لا ترغب الشركات الأمريكية في تكبد عناء إنتاجه، لكن الأمر سيُعدّ “مفرطاً” لو أنها أنتجت ما ينافس المنتجات الأمريكية.(7)
يرى المحلل السياسي ستيفن غوانز أن السياسة الخارجية الأمريكية تدفع باتجاه فتح الأسواق العالمية بلا قيود لتمكين الاستثمارات والشركات الأمريكية من التحرك من دون عوائق تفرضها الدول، وتعارض لجوء الدول النامية إلى استراتيجيات التنمية التي تقودها الدولة —مثل الشركات المملوكة للدولة، والرسوم الجمركية الحمائية، والدعم الحكومي للشركات المحلية— لأن هذه التدابير تحد من أرباح الشركات الأمريكية،(8) وتجعل مهمة الشركات الأمريكية في المنافسة في الأسواق الخارجية أكثر صعوبة.(9) يقول غوانز:
“من الملاحظ أن كل دولة تدخلت فيها الولايات المتحدة عسكرياً —سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء— أو هددت بالتدخل العسكري ضدها منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك اقتصاداً تهيمن عليه الملكية العامة إلى حد كبير وتلعب فيه الدولة دوراً كبيراً؛ أو كانت تتبنى اقتصاداً ديمقراطياً أُعيدت فيه توزيع وسائل الانتاج من مستثمري القطاع الخاص (وغالباً ما يكونوا أجانب) إلى العمال والمزارعين، مع تقييد —أو حتى حظر— فرص البنوك والشركات والمستثمرين الأمريكيين في استغلال أراضي تلك الدول وقواها العاملة وأسواقها ومواردها. ومن ضمن هذه الدول: الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية المتحالفة معه، والصين، وكوريا الشمالية، ونيكاراغوا، ويوغوسلافيا، والعراق، وليبيا، وإيران، وسوريا.”(10)
وفقاً للمؤرخ مارك كيرتس، حذرت دراسة أعدها مجلس الأمن القومي الأمريكي عام ١٩٤٩ من أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إيجاد سبل “لممارسة ضغوط اقتصادية” على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي لا تقبل طواعيةً دورها كمورِّدة لـ “السلع الاستراتيجية والمواد الأولية الأخرى”.(11) ويرى كيرتس أن هدف السياسة الخارجية الأول هو الحفاظ على نظام اقتصادي دولي تزدهر في ظله الشركات الأمريكية والشركات المتعددة الجنسيات، والهدف الثاني هو “وضع أو الحفاظ على الظروف تساعد على تحقيق الهدف الأول.”(12)
في كتابه (Killing Hope) —الذي يسرد فيه الصحفي ويليام بلوم تاريخ التدخلات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية— يذكر بلوم أن الهدف من جميع التدخلات الأمريكية تقريبًا في العالم الثالث منذ الحرب العالمية الثانية هو الإطاحة بـ”سياسة تقرير المصير: أي الرغبة —النابعة من حاجة ملموسة ومبدأ راسخ— في السير بمسار تنموي مستقل عن أهداف السياسة الخارجية الأمريكية.”(13) ويرى بلوم أن هناك ٤ أهداف للسياسة الخارجية الأمريكية، وهي:
“١. رعاية الشركات الأمريكية وتغذيتها: جعل العالم منفتحاً ومُرحِّباً بالعولمة النيوليبرالية؛ وزيادة أرباح مقاولي قطاع الدفاع الذين ساهموا بسخاء في دعم أعضاء الكونغرس وشاغلي البيت الأبيض.
٢. الحيلولة دون صعود أي مجتمع قد يشكل نموذجاً ناجحاً كبديل للنموذج الرأسمالي.
٣. توسيع الإمبراطورية: فرض هيمنة سياسية واقتصادية وعسكرية على أكبر مساحة ممكنة من العالم، وذلك لتيسير تحقيق الغايتين الأوليين، وللحيلولة دون صعود أي قوة إقليمية قد تتحدى التفوق الأمريكي."(14)
في تصريح لها عام ١٩٨٩، قالت كارلا هيلز، ممثلة التجارة الأمريكية: “أود منكم أن تنظروا إليّ بصفتي ممثلة التجارة الأمريكية التي تحمل عتلة؛ فنحن نعمل على فتح الأسواق قسراً وإبقائها مفتوحة، لكي يتمكن قطاعنا الخاص من الاستفادة منها.”(15)
في ٢٠ سبتمبر ١٩٩٤، استعرضت جوان إي. سبيرو، وكيلة وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية والتجارية والزراعية، الركائز الأساسية للدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية وذلك خلال لقاء عام حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مشيرةً إلى أن “هدفنا الأول هو ترتيب أوضاعنا الاقتصادية الداخلية”. و“الهدف الرئيسي الثاني لسياستنا الاقتصادية الخارجية يتمثل في فتح الأسواق حول العالم، وذلك من خلال العمل على المستويات الثلاثة: العالمي والإقليمي والثنائي”. وأكدت سبيرو مجدداً التزام الإدارة بالتوسع التجاري، قائلةً: “إننا نعتزم فتح آفاق جديدة من الفرص أمام شركاتنا في الخارج.”(16)
في ٢٢ فبراير ١٩٩٦، وأثناء جلسة استماع عقدتها اللجنة المختارة للاستخبارات في مجلس الشيوخ بشأن التهديدات العالمية للمصالح الأمريكية، قال الفريق باتريك هيوز —مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية—: “يجب أن نحظى بفرص عادلة للوصول إلى الموارد والأسواق العالمية. وفي بعض الحالات، مثل الحاجة إلى النفط، فإن حرماننا من هذا الوصول يترتب عليه عواقب غير مقبولة.”(17)
(1) Parenti, Michael. Blackshirts and Reds: Rational Fascism and the Overthrow of Communism. City Lights Books, 1997, p. 26.
(2) Chomsky, Noam. Middle East Illusions: Including Peace in the Middle East? Reflections on Justice and Nationhood. Rowman & Littlefield Publishers, Inc., 2003, p. 164.
(3) Chomsky, Noam. Year 501: The Conquest Continues. 1st ed., e-book ed., Pluto Press, 2015, p. 45
(4) Chomsky, Noam. Middle East Illusions: Including Peace in the Middle East? Reflections on Justice and Nationhood. Rowman & Littlefield Publishers, Inc., 2003, pp. 164–165.
(5) Chomsky, Noam. “Whose Security?” Le Monde diplomatique, Sept. 2003, mondediplo.com/openpage/whose-security.
(6) Chomsky, Noam. Year 501: The Conquest Continues. 1st ed., e-book ed., Pluto Press, 2015, pp. 46-47.
(7) Chomsky, Noam. “Whose Security?” Le Monde diplomatique, Sept. 2003, mondediplo.com/openpage/whose-security.
(8) Gowans, Stephen. Washington’s Long War on Syria. 1st ed., Baraka Books, 2017, p. 209.
(9) Gowans, S. (2011, November 9). Wars for profits: A no-nonsense guide to why the United States seeks to make Iran an international pariah. Stephen Gowans’ Blog. https://gowans.blog/2011/11/09/wars-for-profits-a-no-nonsense-guide-to-why-the-united-states-seeks-to-make-iran-an-international-pariah/
(10) Gowans, Stephen. Washington’s Long War on Syria. 1st ed., Baraka Books, 2017, pp. 218-219.
(11) Davidson, Christopher. Shadow Wars: The Secret Struggle for the Middle East. Oneworld Publications, 2016, pp. 37–38.
(12) Curtis, Mark. The Great Deception: Anglo-American Power and World Order. Pluto Press, 1998, p. 38.
(13) Blum, William. Killing Hope: U.S. Military and C.I.A. Interventions Since World War II. 2nd ed., Common Courage Press, 2012, p. 17.
(14) Blum, William. Rogue State: A Guide to the World’s Only Superpower. 3rd ed., Zed Books, 2006, p. 16.
(15) United States Senate Committee on Finance. (1989). Nomination of Carla Anderson Hills: Hearing before the Committee on Finance, United States Senate, One Hundred First Congress, First Session, on the nomination of Carla Anderson Hills, to be U.S. Trade Representative, January 27, 1989 (S. Hrg. 101-52, p. 16). U.S. Government Printing Office.
(16) Spero, J. E. (1994). U.S. foreign economic policy: Securing our future. U.S. Department of State Dispatch, 5(39), 638.
(17) Hughes, P. M. (1996, February 22). Global threats to the United States and its interests abroad: Statement for the Senate Select Committee on Intelligence [Congressional hearing statement]. Federation of American Scientists. https://irp.fas.org/congress/1996_hr/s960222h.htm
الثورة والثورة المضادة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا
وفق عالم السياسة دوري جولد، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مارست الحركة القومية العربية الاشتراكية —التي تصدرتها الناصرية في مصر وفصائل حزب البعث الاشتراكي المتنافسة في كل من سورية والعراق— تأثيراً أيديولوجياً عميقاً في أرجاء العالم العربي. وقد تصاعدت حركة الوحدة العربية الشاملة تحت قيادة عبد الناصر، لتبلغ ذروتها بتأسيس الجمهورية العربية المتحدة؛ وهي وحدة سياسية بين مصر وسورية استمرت في الفترة ما بين عامي ١٩٥٨ و١٩٦١.(1)
بحسب هنية، كثيراً ما اصطدمت هذه الحركة بالأجندات الإمبريالية، وتجلى ذلك بوضوح في إسقاط الأنظمة الملكية المدعومة من القوى الاستعمارية وتأميم قناة السويس. وقد عززت أعمال التحدي هذه، إلى جانب المواجهات الإقليمية مع إسرائيل، مشاعر الفخر والتضامن القوية في جميع أنحاء العالم العربي.(2) وفقاً للمؤرخ فيكتور ماكفارلاند، كانت إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور تخشى أن يؤدي المد القومي بقيادة عبد الناصر إلى إشعال انتفاضات ضد الأنظمة الملكية المحافظة في الشرق الأوسط، مما قد يهدد وصول الغرب إلى النفط؛ مشيراً إلى أن قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس ودعوته لاستخدام النفط سلاحاً ضد إسرائيل والغرب قد أثارا مخاوفَ بشأن احتمالية تأميم النفط مستقبلاً.(3)
في أعقاب اندلاع ثورة العراق وإسقاط النظام الملكي في ١٤ يوليو ١٩٥٨، وتزايد مخاوف الإدارة الأمريكية من المدّ القومي العربي، توثّق وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية ورُفعت عنها السرية فحوى محادثة جرت بين الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ونائبه ريتشارد نيكسون في ١٥ يوليو ١٩٥٨. وفي هذا السياق، كشف أيزنهاور عن هواجس واشنطن إزاء سعي الرئيس المصري جمال عبد الناصر للسيطرة على إمدادات النفط الإقليمية، مشيراً إلى أن ذلك الهدف يرمي إلى "الحصول على الموارد المالية والقوة اللازمتين لتدمير العالم الغربي، ولا بد لنا، في مرحلة ما، من مواجهة هذه القضية.”(4)
على الرغم من الخطاب الأمريكي الحاد إبان الحرب الباردة بشأن انتشار ‘الشيوعية الدولية’ في الشرق الأوسط،(5) يرى رشيد الخالدي أن القادة القوميين العرب الاشتراكيين —باستثناء قادة جنوب اليمن— كانوا “معادين للشيوعية بعمق وجوهرية، ولم يكن أي منهم معادياً للرأسمالية عن قناعة والتزام.”(6) وقد صنّف جيمس بيتراس بعض الأنظمة البينية، مثل الدول العربية ذات التوجهات الاشتراكية، ضمن فئة ‘رأسمالية الدولة’.(7) ووفقاً لعلي قدري، فإن مصطلح ‘رأسمالية الدولة’ كان يشير عموماً إلى الحكومات الاشتراكية التي أبقت على نظام العمل المأجور مع تطبيق سياسات لإعادة توزيع الأصول والثروات أكثر جرأة بكثير مقارنة بنظيراتها الرأسمالية، مما أدى إلى تحقيق قدر أكبر من المساواة الاجتماعية.(8) ويؤكد آدم هنية أن القوميين العرب الاشتراكيين “ركزوا على الوحدة العربية، وقللوا عمداً من شأن واقع الصراع الطبقي”، وهي استراتيجية أفضت في نهاية المطاف إلى نمو طبقات رأسمالية محلية.(9)
وفق المحلل السياسي ستيفن جوانز، بدلاً من الاستجابة لمطالب واشنطن بتحرير الأسواق وتفكيك “رأسمالية الدولة”، انتهج القوميون العرب مساراً معاكساً؛ إذ عملوا على حماية الصناعات المحلية الناشئة من خلال الرسوم الجمركية الحمائية، وقدموا الدعم للشركات المحلية، واعتمدوا على التخطيط الحكومي لمعالجة التخلف الاقتصادي الموروث عن الحقبة الاستعمارية. ومن خلال إعطاء الأولوية لمواطنيهم وللصناعات المحلية ورؤوس الأموال الوطنية على حساب الشركات والمؤسسات المالية الأمريكية، تحدت هذه الأنظمة الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر،(10) وهو صراع ازداد حدّة مع سعي القوميين العرب لتقويض السيطرة الغربية على احتياطيات النفط في المنطقة.(11) ونتيجة لكل ذلك، وبحسب جوانز، عملت الولايات المتحدة بشكل منهجي على تقويض حركات القومية العربية، حيث لعبت إسرائيل دور الشريك الإقليمي الحيوي في هذه الجهود.(12) وبسبب هذا الدور الإسرائيلي الحيوي في حماية المصالح الأمريكية، يرى تشومسكي أن إسرائيل تشكل “جزءاً جوهرياً من منظومة القواعد الأمريكية ونظام الدعم المعقّد المخصّص لقوات الانتشار السريع التي تحيط بمناطق إنتاج النفط في الشرق الأوسط”.(13)
بحسب الاقتصادي علي قادري، تفوقت النماذج ذات التوجهات الاشتراكية العربية على النماذج النيوليبرالية التي هيمنت لاحقا، في التنمية الاقتصادية والمؤشرات الاجتماعية على حد سواء؛ حيث سجلت معدلات نمو —سواء على المستوى الإقليمي أو تلك الخاصة بالدول العربية ذات التوجهات الاشتراكية— أعلى مقارنة بالحقبة النيوليبرالية. وقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه في منطقة الشرق الأوسط ٧,٥% و٤,٨% على التوالي خلال الفترة (١٩٦٤-١٩٧٤) من الحقبة ذات التوجهات الاشتراكية، بينما انخفضت هذه المعدلات إلى ٢,٩% و٠,٣% خلال الفترة (١٩٨٥-١٩٩٥) من الحقبة النيوليبرالية. وكانت معدلات العجز والتضخم والبطالة أقل خلال الحقبة ذات التوجهات الاشتراكية مقارنة بالحقبة النيوليبرالية. وعلاة على ذلك، أدت الاستثمارات الاجتماعية الواسعة إلى رفع مستويات المعيشة بشكل كبير.(14)
ويضيف قادري أن الدول العربية ذات التوجهات الاشتراكية قد قادت عملية التنمية بالتركيز على التصنيع وبناء البنية التحتية. في مصر، شكلت الشركات المملوكة للدولة نحو ٦٠% من القيمة المضافة في قطاع التصنيع، وبلغت النسبة نحو ٥٥% في سوريا. وسجل إنتاج هذه المؤسسات العامة المُنشأة حديثاً ما نسبته ١٣% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر و١١% في سوريا.(15)
بحسب قادري، تبنت الدول العربية ذات التوجهات الاشتراكية سياسة إحلال الواردات، والتي اشتملت على تدابير لحماية الصناعات الوطنية من المنافسة الأجنبية، وعملت سياسات منع هجرة رؤوس الأموال واعتماد أسعار فائدة وأسعار صرف متعددة على تحفيز الموارد الوطنية وضمان استقرار سعر الصرف. وعلاوة على ذلك، ساهمت سياسات دعم السلع الأساسية والرقابة على أسعارها في تحسين مستوى المعيشة، كما ساهمت الإصلاحات الزراعية في زيادة الإنتاج الغذائي والزراعي بشكل كبير. وفي العراق، قام حزب البعث بتأميم النفط في السبعينيات وأعاد توزيع الأراضي وعائدات النفط بطرق أكثر إنصافاً. يؤكد قادري: “كان السبب الوحيد الوجيه للهجوم الأكاديمي على التدابير الاشتراكية هو تعميق إضعاف الدول الاشتراكية العربية خدمةً للاستراتيجية الإمبريالية.”(16)
وفق استاذ العلوم السياسية ستيفن كوك، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، تحولت مصر من ملكية خاضعة للاحتلال البريطاني إلى قوة مستقلة ومؤثرة في العالم النامي. ففي فترة وجيزة تلت ثورة عام ١٩٥٢، اكتسبت البلاد مكانة مرموقة إقليمياً وعالمياً بفضل قيادتها للدول العربية في مواجهة إسرائيل وبسط نفوذها في قارتي آسيا وأفريقيا. وعلى الصعيد العسكري، تطورت القوات المسلحة من قوة ضعيفة التجهيز لتصبح الأكبر والأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية في المنطقة بحلول أواخر الخمسينيات. أما داخلياً، فقد قوضت حكومة جمال عبد الناصر نفوذ النخب التقليدية، ونفذ إصلاحات زراعية عام ١٩٥٢، وأمم قناة السويس، ومضى قدماً في إجراءات تأميم أخرى عامي ١٩٦١ و١٩٦٤، بالتزامن مع توسيع فرص التعليم والعمل للفئات التي كانت مهمشة سابقاً. وقد عززت هذه التدابير الحراك الاجتماعي، ونمو الطبقة الوسطى، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى مثل السد العالي في أسوان. ومن خلال تبني مبدأ “الحياد الإيجابي” في السياسة الخارجية وسياسات إعادة توزيع الثروة محلياً، قدمت مصر —للمرة الأولى— مشروعاً وطنياً متماسكاً أثمر عن تقدم اقتصادي واجتماعي ملموس.(17)
بحسب دراسة أجرتها مكتبة الكونغرس حول مصر، من خلال إيلاء الأولوية للتنمية الاقتصادية بدرجة تفوق بكثير ما كان عليه الحال في عهد الملكية السابق، حققت حكومة الرئيس جمال عبد الناصر نمواً مطرداً؛ إذ نما الناتج المحلي الإجمالي —محسوباً بالأسعار الثابتة لعام ١٩٦٥— بمعدل سنوي مركب بلغ نحو ٤,٢ في المائة في الفترة ما بين عامي ١٩٥٥ و١٩٧٥، متجاوزاً بذلك معدل النمو السكاني البالغ ٢,٥ في المائة. ورغم أن الفترة الممتدة من عام ١٩٦٧ إلى عام ١٩٧٤ شهدت تباطؤاً في معدل النمو ليصل إلى نحو ٣,٣ في المائة —نتيجة للركود في القطاعين الزراعي والصناعي وتكاليف حرب يونيو ١٩٦٧— إلا أن الاستثمارات السابقة نجحت في دفع عجلة توسع اقتصادي كبير ومستدام على المدى الطويل.(18)
بحسب الموسوعة البريطانية (Encyclopedia Britannica):
“اعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كلي على الزراعة حتى خمسينيات القرن العشرين، إلا أنه شهد تطوراً اقتصادياً كبيراً في أعقاب ثورة عام ١٩٥٨. وبحلول عام ١٩٨٠، كان العراق يمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم العربي —بعد المملكة العربية السعودية— وثالث أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، كما طوّر اقتصاداً معقداً ومخططاً مركزياً تهيمن عليه الدولة.”(19)
أدت حقبة النمو الاقتصادي القوي في العراق بالمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، ويليام آر. بولك، إلى وصف تلك الفترة بأنها “عصر ذهبي”؛ إذ أشار إلى أن “المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والمسارح والمتاحف قد انتشرت وتكاثرت، كما عمّت فرص العمل لدرجة أدت إلى نشوء نقص في الأيدي العاملة”.(20)
لمواجهة النفوذ المتنامي للقوميين العرب الاشتراكيين في المنطقة، سعت واشنطن إلى بناء ثقلٍ مضاد محافظٍ وموالٍ للغرب داخل العالم العربي. وفي هذا السياق —وفقاً لمذكرة رفعت عنها السريّة— في ٢٠ نوفمبر ١٩٥٦، أكده الرئيس الأمريكي أيزنهاور خلال نقاشٍ في البيت الأبيض بتأكيده على ضرورة “العمل على تعزيز مكانة الملك سعود ليصبح شخصيةً بارزةً في منطقة الشرق الأوسط”، حمايةً للمصالح الاقتصادية الغربية وكبحاً للحراك المناهض للإمبريالية.(21) وحسب عالمة السياسة راتشيل برونسون، صرّح وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في ١٠ ديسمبر ١٩٥٦ بأن الملك السعودي سعود هو “أفضل قوة مضادة لناصر”.(22) في ٢٠ ديسمبر ١٩٥٦، أبلغ دالاس الرئيس أيزنهاور بأن الملك “سعود هو الشخصية الوحيدة في المنطقة التي تتمتع بالحضور والإمكانات الكافية لتشكيل ثقلٍ موازنٍ لجمال عبد الناصر”؛(23) وفقاً لمذكرة رُفعت عنها السريّة، في الأول من يوليو ١٩٥٨، أشار أيزنهاور إلى أن واشنطن وطهران كانتا قد شجّعتا الملك على توظيف مكانته الروحية ورعايته للمقدسات الإسلامية لحشد العرب المحافظين ضد القومية العربية الراديكالية.(24)
وفق المؤرخ أليكسي فاسيليف، في منتصف ستينيات القرن العشرين، احتدم صراع ضارٍ للسيطرة على الشرق الأوسط بين مصر وحلفائها ذوي التوجهات الاشتراكية من جهة، وتحالف من الملكيات المحافظة تقوده المملكة العربية السعودية من جهة أخرى. وقد وظّفت مصر الشعبية الهائلة التي كان يتمتع بها جمال عبد الناصر للدفع بأجندة اشتراكية مناهضة للغرب في أرجاء المنطقة، مما أدى إلى جذب جزء كبير من جامعة الدول العربية إلى فلكها. ونظراً لسوء سمعة التحالفات العسكرية مع الغرب وافتقار الأنظمة الملكية التقليدية إلى القبول الشعبي في معظم الدول العربية، وظفت القيادة السعودية الإسلام ليكون ثقلاً أيديولوجياً مضاداً ومباشراً للقومية العربية والأجندة الاشتراكية التي نادى بها عبد الناصر.(25) أطلق استاذ دراسات الشرق الأوسط مالكولم كير على هذا الصراع اسم “الحرب العربية الباردة”.(26) علق المحلل السياسي ستيفن غاونز على هذا التحالف بين الولايات المتحدة والملكيات المحافظة بأن الولايات المتحدة وجدت “نفسها حليفةً لأكثر القوى رجعيةً وقمعاً في المنطقة، وعلى خلافٍ مع أكثر القوى التقدمية”.(27)
وفق أستاذ الاقتصاد آدم هنية بلغ هذا الصراع بالوكالة مع مصر ذروة حدته خلال الحرب الأهلية في شمال اليمن التي استمرت ثماني سنوات؛ إذ لعبت الرياض دور الداعم المالي والعسكري الرئيسي للقوات الملكية الموالية لبريطانيا —والتي كانت قد أُطيح بها عام ١٩٦٢— في حين وضعت مصر كامل ثقلها لدعم القوات الجمهورية المناوئة لها.(28)
(1) Gold, Dore. Hatred’s Kingdom: How Saudi Arabia Supports the New Global Terrorism. Regnery Publishing, 2003, p. 75.
(2) Hanieh, Adam. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Haymarket Books, 2013, p. 25.
(3) McFarland, Victor. Oil Powers: A History of the U.S.–Saudi Alliance. Columbia University Press, 2020, p. 62.
(4) Eisenhower, D. D. (1958, July 15). Memorandum of a conversation between the President and the Vice President, White House, Washington (Document 139) [Memorandum]. In P. V. Jonnes (Ed.), Foreign relations of the United States, 1958–1960: Volume XI. Lebanon and Jordan (pp. 244–245). U.S. Department of State, Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1958-60v11/d139
(5) Eisenhower, D. D. (1957). Special message to the Congress on the situation in the Middle East. The American Presidency Project. https://www.presidency.ucsb.edu/documents/special-message-the-congress-the-situation-the-middle-east
(6) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 38.
(7) Petras, J. F. (1976). State capitalism and the Third World. Journal of Contemporary Asia, 6(4), 432–443. https://doi.org/10.1080/00472337685390591
(8) Kadri, Ali. The Unmaking of Arab Socialism. Anthem Press, 2019, p. 38. Anthem Frontiers of Global Political Economy.
(9) Hanieh, Adam. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Haymarket Books, 2013, p. 25.
(10) Gowans, Stephen. Washington’s Long War on Syria. 1st ed., Baraka Books, 2017, pp. 91–92.
(11) ibid., p. 139.
(12) Gowans, Stephen. Israel, a Beachhead in the Middle East: From European Colony to US Power Projection Platform. 1st ed., Baraka Books, 2019, p. 64.
(13) Chomsky, Noam. Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians. 2nd ed., Pluto Press, 2016, p. 26.
(14) Kadri, Ali. The Unmaking of Arab Socialism. Anthem Press, 2016, pp. 59–61.
(15) ibid., pp. 60–61.
(16) ibid., pp. 59–61.
(17) Cook, Steven A. The Struggle for Egypt: From Nasser to Tahrir Square. Oxford University Press, 2012, pp. 110–12.
(18) Metz, Helen Chapin, editor. Egypt: A Country Study. Federal Research Division, Library of Congress, 1991, p. 158.
(19) Encyclopædia Britannica. (n.d.). Baghdad. In Encyclopædia Britannica. Retrieved September 29, 2026, from https://www.britannica.com/place/Iraq/Baghdad
(20) Polk, William R. Understanding Iraq: The Whole Sweep of Iraqi History, from Genghis Khan's Mongols to the Ottoman Turks to the British Mandate to the American Occupation. 1st ed., I.B. Tauris, 2005, p. 128.
(21)Bronson, Rachel. Thicker Than Oil: America’s Uneasy Partnership with Saudi Arabia. Oxford UP, 2008, p. 74.
(22) Office of the Historian. (1956, December 20). Memorandum of a conference with the President, Washington, December 20, 1956 (Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Near East Region; Iran; Iraq, Vol. 12, Document 175). U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v12/d175
(23) Office of the Historian. (1956, November 20). Memorandum of a conversation, White House, Washington, November 20, 1956, 11 a.m. (Foreign Relations of the United States, 1955–1957, Near East Region; Iran; Iraq, Vol. 12, Document 147). U.S. Department of State. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v12/d147
(24) Rountree, W. M. (1958, July 1). Memorandum of conversation: Subject: Lebanon and the Middle East (Doc. 242). In Foreign Relations of the United States, 1958–1960: Near East Region; Iraq; Iran; Arabian Peninsula (Vol. XII). U.S. Department of State, Office of the Historian. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1958-60v12/d242
(25) Vassiliev, Alexei. The History of Saudi Arabia. Saqi Books, 1998, p. 385.
(26) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 18.
(27) Gowans, Stephen. Israel, a Beachhead in the Middle East: From European Colony to US Power Projection Platform. 1st ed., Baraka Books, 2019, p. 180.
(28) Hanieh, Adam. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Haymarket Books, 2013, p. 28.
السلفية الوهابية كسلاح في ترسانة الثورة المضادة
يذكر المؤرخ رشيد خالدي إلى أن الموجة القومية العربية “بدت وكأنها تضع الولايات المتحدة وحلفاءها في موقف غير مواتٍ للغاية. وفي مواجهة هذا الوضع الذي بدا غير متوازن، استخدمت المملكة العربية السعودية السلاح الأيديولوجي القوي المتمثل في الإسلام.”(1)
وفقاً لمذكرة محادثة رُفعت عنها السرية صادرة عن البيت الأبيض بتاريخ ٧ سبتمبر ١٩٥٧، وافق الرئيس أيزنهاور على سياسة توظيف الإسلام في مواجهة الشيوعية، مؤكداً على ضرورة: “بذل كل جهد ممكن للتركيز على جانب ‘الحرب المقدسة’. وفي المقابل، علّق وزير الخارجية دالاس بأن العرب، إذا ما خاضوا ‘حرباً مقدسة’، فإنهم سيرغبون في أن تكون موجهة ضد إسرائيل؛ غير أن الرئيس ذكّر بأن الملك سعود، عقب زيارته للولايات المتحدة، كان قد دعا جميع العرب إلى معارضة الشيوعية.” كما أقرّ أيزنهاور تسريع وتيرة المساعدات العسكرية للحلفاء في المنطقة.(2)
وفق صحيفة الاندبندنت (The Independent)، يشير أحد التقديرات إلى أن السعودية ضخت في العقود القليلة التي سبقت عام ٢٠٠٨ ما يزيد عن ١٠٠ مليار دولار لنشر الوهابية والسلفية حول العالم،(3) ويشير تقدير آخر إلى أنها أنفقت ٢ إلى ٣ مليار سنويا منذ عام ١٩٧٥.(4) كما وظّفت السعودية —حسب عالمة السياسة راتشيل برونسون— العديد من المنظمات الإسلامية لدعم هذه الجهود.(5) ووفقاً لعالم السياسة أليكس أليكسييف، أنّ الحملة السعودية لنشر السلفية الوهابية حول العالم هي “أضخم حملة بروباغاندا في التاريخ”(6)؛ ووصفها الصحفي ديفيد أ. كابلان بأنها “قد فاقت بمراحل جهود الدعاية السوفيتية إبان ذروة الحرب الباردة”.(7) وفي عام ٢٠١٨، أقرّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأن حملة نشر السلفية الوهابية انطلقت خلال “الحرب الباردة، حين طلب حلفاء من السعودية استخدام مواردها للحيلولة دون توغل الاتحاد السوفيتي في الدول الإسلامية”.(8) عام ٢٠١٣، حددت دراسة رسمية —أعدت بتكليف من المديرية العامة للسياسات الخارجية في البرلمان الأوروبي— الوهابيةَ كمصدر رئيسي للإرهاب العالمي.(9)
وفقاً للخالدي، إن توظيف السعودية للإسلام كأداة أيديولوجية أثبت للولايات المتحدة فاعليته، خصوصاً عندما كانت واشنطن والأنظمة المحافظة الحليفة لها في الشرق الأوسط في موقف دفاعي أمام المد القومي في أواسط الستينيات؛ ومن بعدها أصبح الإسلام جزءاً أساسياً من الترسانة الأيديولوجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، حيث وظفته أجهزة الاستخبارات الأمريكية ليس في الدول العربية فحسب، بل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.(10) فمثلاً، في عام ١٩٧٩، وخلال عملية سايكلون (Operation Cyclone) التي أطلقتها المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لدعم المجاهدين الأفغان لمحاربة الاتحاد السوفيتي، حث مستشار الأمن القومي بريجينسكي الرئيس الأمريكي على ضرورة “التنسيق مع الدول الإسلامية في إطلاق حملة بروباغاندا [دعاية] وعمليات سرية لمساعدة المتمردين”.(11)
بالتزامن مع الجهود الأيديولوجية المستمرة، كانت القوة العسكرية، وفق عالم السياسة جيل كيبيل، هي التي قصمت في نهاية المطاف ظهر حركة القومية العربية؛ فقد تلقت القومية العربية العلمانية ضربة قاضية على جبهتين: في المقام الأول عبر هزيمة عام ١٩٦٧ التي استُهلت بضربات جوية إسرائيلية مباغتة استهدفت المطارات المصرية(12)، وثانياً عبر هزيمة فدائيي منظمة التحرير في الأردن عام ١٩٧٠؛ مما أدى إلى تقويض الشرعية الثورية لمصر وحلفائها، وتمهيد الطريق لصعود الأسلمة.(13)
يؤكد الاقتصادي سمير أمين إلى أنه:
“لم يكن الإسلام السياسي نتاجاً عفوياً لتعبير أصيل عن قناعة دينية لدى الشعوب المعنية؛ بل جرى بناؤه بشكل منهجي على يد الإمبريالية، وحظي —بطبيعة الحال— بدعم قوى رجعية ظلامية وطبقات “كومبرادورية” تابعة. ومما لا شك فيه أن مختلف قوى اليسار لم تدرك طبيعة هذا التحدي ولم تعرف كيف تواجهه، وتلك هي نقطة فشلها.”(14)
لم تكن الولايات المتحدة أول إمبراطورية تستخدم الإسلام كأداة لتحقيق أهداف امبريالية. بحسب المؤرخ ديفيد موتادل، كانت الإمبراطوريات الأوروبية تستخدم السياسات والدعاية الدينية بانتظام لتحريض السكّان المسلمين في القوى الاستعمارية المنافسة. ومن أبرز محاولات توظيف الإسلام استراتيجياً سعي دول المركز لدفع المسلمين المتدينين إلى الثورة في الحرب العالمية الأولى. ففي عام ١٩١٤ كلّفت الحكومتان الألمانية والعثمانية ‘شيخ الإسلام’ [مصطفى خيري أفندي] بإصدار فتوى لإعلان الجهاد ضد دول الوفاق. وبذلت برلين والقسطنطينية جهوداً واسعة لإثارة —على حد تعبير القيصر فيلهلم الثاني— “العالم المحمدي بأسره على ثورة عارمة” ضد الإمبراطوريات البريطانية والروسية والفرنسية، مستخدمتين شعارات وشبكات الوحدة الإسلامية، بينما ردّ الحلفاء بدعاية مضادة؛ إذ كان يُنظر إلى الإسلام كقوة سياسية مؤثرة. وكما كتب الباحث الأمريكي دوايت لي عام ١٩٤٢: “يبدو في الواقع أن حركة الدعوة الى ‘الوحدة الإسلامية’ كانت دائماً مدعومة —أو تسير بالتوازي— مع السياسة الإمبريالية لقوة أوروبية ما، بدت أهدافها ومصالحها في تلك اللحظة متوافقة مع مصالح الإسلام أو مصالح حاكم مسلم معين.”(15)
من الجدير بالذكر أن استخدام الولايات المتحدة للإسلام كأداة لتحقيق أهداف إمبريالية تضمن أيضا حشد وتسليح المتمردين الإسلاميين في حملات مختلفة، ومنها عملية سايكلون (Operation Cyclone) في أفغانستان عام ١٩٧٩ لإسقاط الحكومة اليسارية الموالية للاتحاد السوفيتي،(16) والتي صنفتها موسوعة غينيس بأنها العملية السرية الأعلى تكلفة في التاريخ،(17) ودعم المتمردين الإسلاميين في ليبيا لإسقاط حكومة الرئيس القذافي عام ٢٠١١.(١8) وكذلك عملية تيمبر سيكامور (Timber Sycamore) لدعم المتمردين الإسلاميين في سورية عام ٢٠١٢ لإسقاط حكومة الرئيس بشار الأسد،(19) وفي هذا السياق، يجادل أستاذ الاقتصاد مايكل هدسون في مقال نشره في ٧ يناير ٢٠٢٠ بما يلي:
“أثبتت حرب فيتنام أن الديمقراطيات الحديثة لا يمكنها حشد جيوش لخوض أي صراع عسكري كبير، لأن ذلك يتطلب فرض التجنيد الإلزامي على المواطنين؛ وهو إجراء من شأنه أن يؤدي إلى الإطاحة بأي حكومة تقدم عليه عبر صناديق الاقتراع. وبدون قوات برية، يستحيل غزو بلد ما والسيطرة عليه.
والنتيجة المترتبة على هذا الواقع هي أن الديمقراطيات لا تملك سوى خيارين فيما يتعلق بالاستراتيجية العسكرية: إما الاعتماد حصراً على القوة الجوية وقصف الخصوم، أو تشكيل “فيلق أجنبي” — أي الاستعانة بمرتزقة أو دعم حكومات أجنبية تتولى تقديم هذه الخدمة العسكرية.
وهنا تلعب المملكة العربية السعودية دوراً حاسماً مرة أخرى، وذلك من خلال سيطرتها على التيار الوهابي السني الذي يحفز الجهاديين المتطرفين المستعدين للتخريب والقصف والاغتيال والتفجير ومحاربة أي هدف يُصنّف كعدو لـ “الإسلام” — وهو المصطلح الذي يُستخدم كغطاء لسياسات السعودية بصفتها دولة تابعة للولايات المتحدة.”(20)
يتبع المقال في الأسفل، لكن اذا رغبت في قراءة المزيد عن جوانب مختلفة تتعلق بالسلفية الوهابية، يرجى الاطلاع على مقال: "لم تكن السلفية الوهابية يوماً منهج أسلاف المسلمين".
(1) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 20.
(2) Office of the Historian. (1988). Memorandum of a conversation with the President, White House, Washington, September 7, 1957, 10:07 a.m. (Document 388). In J. P. Glennon, W. Klingaman, A. D. Miller, & N. J. Noring (Eds.), Foreign relations of the United States, 1955–1957: Near East: Jordan-Yemen (Vol. 13, pp. 685–689). United States Government Printing Office. https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1955-57v13/d388
(3) Viner, Brian. "Last Night's TV: The Qur'an, Channel 4; Banged Up, Five." The Independent, 15 July 2008, www.independent.co.uk/arts-entertainment/tv/reviews/last-night-s-tv-the-qur-an-channel-4-banged-up-five-867474.html.
(4) Vallely, Paul. "Wahhabism: A Deadly Scripture." The Independent, 1 Nov. 2007, www.independent.co.uk/news/uk/home-news/wahhabism-a-deadly-scripture-398516.html.
(5) Bronson, Rachel. Thicker Than Oil: America’s Uneasy Partnership with Saudi Arabia. Oxford UP, 2008, p. 74.
(6) Gaffney, Frank, Jr. "Waging the 'War of Ideas'." Center for Security Policy, 8 Dec. 2003, centerforsecuritypolicy.org/waging-the-war-of-ideas-2/.
(7) Gaffney, Frank, Jr. “Waging the ‘War of Ideas’.” Center for Security Policy, 8 Dec. 2003, centerforsecuritypolicy.org/waging-the-war-of-ideas-2/.
(8) "Saudi Prince Denies Kushner Is 'in His Pocket'." The Washington Post, 23 Mar. 2018.
(9) Moniquet, C. (2013). The involvement of Salafism/Wahhabism in the support and supply of arms to rebel groups around the world. European Parliament, Directorate-General for External Policies. https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/document/EXPO-AFET_ET(2013)457137
(10) Khalidi, Rashid. Sowing Crisis: The Cold War and American Dominance in the Middle East. Beacon Press, 2009, p. 20.
(11) Brzezinski, Z. (1979, December 26). Brzezinski to Carter on Afghanistan. National Security Archive. https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB396/docs/1979-12-26%20Brzezinski%20to%20Carter%20on%20Afghanistan.pdf
(12) "UNEF I Withdrawal (16 May - 17 June 1967): SecGen Report, Addenda, Corrigendum." Question of Palestine, United Nations, www.un.org/unispal/document/auto-insert-182090/.
(13) Kepel, Gilles. Jihad: The Trail of Political Islam. Harvard University Press, 2002, pp. 63–64.
(14) Amin, Samir. The Long Revolution of the Global South: Toward a New Anti-Imperialist International. 1st ed., Monthly Review Press, 2019, p. 58.
(15) Motadel, David. Islam and Nazi Germany's War. The Belknap Press of Harvard University Press, 2014, p. 8.
(16) Keller, B. (1988, April 18). Arming Afghan guerrillas: A huge effort led by U.S. The New York Times. https://www.nytimes.com/1988/04/18/world/arming-afghan-guerrillas-a-huge-effort-led-by-us.html
(17) Guinness World Records. (n.d.). Most expensive covert action. Retrieved October 4, 2026, from https://www.guinnessworldrecords.com/world-records/613906-most-expensive-covert-action
(18) Kuperman, A. J. (2013). A model humanitarian intervention? Reassessing NATO’s Libya campaign. International Security, 38(1), 105–136. https://doi.org/10.1162/ISEC_a_00126
(19) Mazzetti, M., Goldman, A., & Schmidt, M. S. (2017, August 2). Behind the sudden death of a $1 billion secret C.I.A. war in Syria. The New York Times. https://www.nytimes.com/2017/08/02/world/middleeast/cia-syria-rebel-arm-train-trump.html
(20) Hudson, M. (2020, January 8). America escalates its democratic oil war in the Near East. Michael Hudson. https://michael-hudson.com/2020/01/america-escalates-its-democratic-oil-war-in-the-near-east/
الثورة المضادة مستمرة: دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية
يشير المؤرخ مارك كيرتس إلى اعتماد “حكومات الشمال” على آليات متعددة لتقويض مسارات التنمية المستقلة وفرض السياسات الاقتصادية النيوليبرالية (السوق الحرّ). حيث يقول:
“في الفترة المبكرة التي تلت الحرب العالمية الثانية، جرت مواجهة التهديد الرئيسي المتمثل في النزعة القومية عبر مزيج من السياسات الاقتصادية، والعمليات السرية للإطاحة بالحكومات المتمردة، والتدخل العسكري المباشر؛ وكانت الذريعة الدائمة لذلك هي ‘الخطر السوفيتي’. وقد تمثلت القوى الرئيسية التي جسدت هذا التهديد القومي في الحكومات ‘الراديكالية’ (أي تلك المستقلة عن الغرب) وحركات التحرر. أما في عصر العولمة، فتتم مواجهة القوى المستقلة في المقام الأول عبر أدوات اقتصادية —مثل منظمة التجارة العالمية— واستراتيجيات عسكرية وسياسية —مثل ‘الحرب على الإرهاب’—. وتهدف هذه الاستراتيجية الأخيرة إلى تعزيز الأنظمة الحليفة (تحت غطاء مكافحة الإرهاب)، كما توفر غطاءً لمرحلة جديدة من التدخل العالمي الرامي إلى الإطاحة بالحكومات غير المرغوب فيها.”(1)
(1) Curtis, Mark. Web of Deceit: Britain’s Real Role in the World. Vintage, 2003, p. 223.
يتبع…


